? 【الاستقطاب الرافضي للجهاديين】 في خطابه الأخير سلّط الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- الضوء ...

? 【الاستقطاب الرافضي للجهاديين】

في خطابه الأخير سلّط الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- الضوء على الانحراف القديم في الساحات الجهادية، ولعل أكثر ما استوقفنا حديثه عن وقوع الجهاديين "تحت التنظير والاستقطاب الرافضي" وليس العكس، وقد يمر البعض على هذه العبارة دون فهم لها، أو يظن بعضهم أنها مبالغة أو مغالطة، بينما سيُقنع القاعديون أنفسهم بأنها فرية باطلة، لأنها صدرت عن الخصم الوحيد الذي "لا يتوقفون" في مفاصلته ولا يسيغون موادعته ولا يجيزون مداهنته أو حتى تحييده كما يفعلون مع طوائف الردة شرقا وغربا.

ولكي نفهم هذا الشطر من الخطاب، نعود بالذاكرة إلى حقبة سقوط طالبان بعد الغزو الأمريكي، ونزوح كثير من قيادات وعوائل القاعدة باتجاه المثلث الحدودي بين إيران وأفغانستان وباكستان وخاصة في (زاهدان)، وهناك بدأت مرحلة التنظير والاستقطاب الإيراني للقاعدة، وهذا ثابت أقرّ به غير واحد من قادة القاعدة المعتبرين الذين قُتلوا في صفوفها، ناهيك عن شهادات من فارقها.

حيث استغلت إيران حالة التشريد والحصار المفروض على القاعدة، وفتحت لهم أبوابها لاحتوائهم واستيعابهم كسلاح وظيفي ضمن "محورها" الذي استوعب العديد من الحركات الإسلامية غيرها، كما حدث مع التنظيمات الفلسطينية التي أُبعدت في التسعينيات إلى "مرج الزهور" في الجنوب اللبناني؛ فهرع إليهم قادة "حزب الشيطان" ومارسوا تنظيرا واستقطابا، أفرز هذا الاصطفاف الفصائلي الفلسطيني الصارخ، خلف المحور الإيراني حتى آخر رمق.

التجربة ذاتها كررتها إيران مع القاعدة، حتى وصف بعض قادة التجربتين الدور الإيراني بـ "الاستضافة الكريمة!"، وللمصداقية؛ فقد رفض بعض صقور القاعدة هذا المسلك الإيراني لدواع متباينة ليست منهجية صرفة، بينما خضع قادة آخرون وأذعنوا، فاحتوتهم إيران لسنوات وادخرتهم ليومها الأسود، وصاروا اليوم رأس الهرم القاعدي.

وصرنا نقرأ لـ "القيادة العامة" للقاعدة بيانات ظاهرها الاصطفاف السُّني وباطنها الاصطفاف الإيراني، وكأنها صادرة عن أحد أفرع "محور المقاومة"، لكن بالتِفافة مبتذلة باسم الأمة ومصير الأمة، ومعروف أن مصطلح الأمة عند القاعدة مصطلح زئبقي تحشد خلفه كل التناقضات المنهجية، وكل ما لا تحتمله الأمة من الطوائف المحاربة لها.

ويجدر بنا التنبيه، بأننا لا نقصد بالاستقطاب الرافضي هنا الاستقطاب المنهجي عبر التشيع، فلم تفرض إيران على أذرعها وبيادقها "السنيّة" التشيع، فإيران لا تريدهم حشدا رافضيا، بل بيدقا وظيفيا يقف معها في وجه "القطب الوحيد" كما أسماه بيان القاعدة الأخير.

بيان القاعدة الأخير الذي جاء بعد بلوغ التوتر الأمريكي الإيراني ذروته، وجاء متزامنا مع بيانات أخرى لأذرع "محور المقاومة"؛ روّج أن هذه الحشود الأمريكية "ليست لمحاربة دولة بعينها" وأن هذه "الأحداث تعنيها وتعني كل مسلم" وأن "الكل مستهدف" وأن "الموقف الشرعي هو وجوب القتال" ولا يحتمل "الصمت أو التفرج".

ولم نجد عشر معشار هذا الاستنفار القاعدي ولغة الحسم والقتال، إبّان الحملة الصليبية المسعورة على حواضر الدولة الإسلامية في العراق والشام، بل كانت خطاباتها الماراثونية تفيض حقدا وتحريضا على المجاهدين في ذروة الهجمة الصليبية عليهم، ولم تكن تلك الهجمة العالمية عند القاعدة "تستهدف الكل" و "توجب القتال!" ولم تكن تلك الهجمة الشرسة "تعني القاعدة!" بينما صارت "تعنيها" اليوم عندما اقتربت النار من السفينة الإيرانية وشارفت على الغرق.

هذا هو الاستقطاب والتنظير الإيراني للجهاديين، وقد ظهر في هذا المحك بكل وضوح حتى تندّر به الصحفيون الصليبيون واستهجنوه، بينما انقسم منه أتباع القاعدة فرقا وشيعا، فريق أنكره بالكلية مُنكرا بذلك سِفرا طويلا من تاريخ قادته، وفريق تعامى عنه، وفريق راح يبرر ويشرعن هذا الاصطفاف مستدعيا نفس الطرح الذي تبنّته المنابر الإخوانية في أوج الحرب على غزة، التي روجت خطابا مفاده أن إيران ومحورها حائط الصد الأخير عن أمة الإسلام!! وهو ما يُفهم ضمنيا من بيان القاعدة الأخير الذي خاطب "حكومات المنطقة" بأنهم "سيؤكلون يوم أُكل غيرهم" فمن هو هذا "المأكول" الذي تخاف القاعدة عليه، وتخوّف به خصومه؟!

واستخفافا بعقول أتباعها، حاولت القاعدة تبرير اصطفافها الإيراني؛ بإقحام أفغانستان في السياق، وأن أمريكا "عينها شاخصة على خراسان والإمارة!" تلك الإمارة التي منحها الصليبيون لطالبان تحت أجنحة الطائرات الأمريكية، تماما كما منحوا مَن قبلها الحكم على ظهر الدبابة الأمريكية.

كما حاولت "القيادة العامة" جاهدة تبرير اصطفافها خلف إيران، من خلال عقد مقارنة بين المبررات الأمريكية للحملة على أفغانستان قديما، والحملة على إيران حديثا، وأن أمريكا رفعت سابقا شعار "الحرب على الإرهاب" و "تحرير شعوب المنطقة" كما تفعل اليوم، وفي البيان كلام محذوف تقديره: "كما ترفع اليوم شعار الحرب على إيران".


والأبعد من ذلك مخاطبة القاعدة من أسمتهم "العقلاء في دوائر صنع القرار، أن يتحلوا بالحكمة والعقلانية في الحفاظ والدفاع عن البلاد والعباد!" ولا نعلم أن مصطلح الطواغيت صار له نحتا جديدا في قاموس القاعدة ليصبح "العقلاء في دوائر صنع القرار"، فهل تستعد القاعدة للالتقاء أو التحالف أو التعاون مع الطواغيت "العقلاء في دوائر صنع القرار؟!" وقد سبق أن خاطبت القاعدة "الجيل الواعي" بـ "ألا يتهرب من الخدمة العسكرية" في الجيوش المرتدة ودعته "لاستثمارها".

كما زعمت القاعدة أن قتالها في العقود الماضية "شكّل درعا متينا.. استفادت منه كبرى دول المشرق في منافسة القطب الوحيد!"، واستنكرت "تصنيف جماعات سلمية بالإرهاب" و "الانقلاب" على ما أسمتها "حكومات تنتسب للعمل الإسلامي"، وهي بذلك تعاتب السعودية وأخواتها في خطاب "براغماتي" فج، ولسان حالها: أن التقارب مع الإسلاميين كان بإمكانكم أن تجعلوه درعا لكم في وجه التهديدات الحالية، كما كنا نحن درعا لدول في وجه دول أخرى.

كل هذه المصائب المنهجية نطق بها بيان واحد لـ "القيادة العامة" للقاعدة التي يقولون إنها في أفغانستان، دفعنا للحديث عنه لفتة الشيخ الأنصاري في معرض حديثه عن الاستقطاب الرافضي للجهاديين، الذي أنتج اصطفافا قاعديا مؤقتا خلف إيران، لأن القاعدة تدمن الانتقال بين المحاور والاصطفافات، وقد كادت أن ترفع شارة "رابعة" يوم فوز "مرسي" بالحكم وصار الحصاد المر حلوا، فلما غرقت سفينة الإخوان؛ عاد حكماء القاعدة لانتقادهم في نفس السلسلة المرئية الطويلة التي افتتحوها بالتقارب معهم!

واليوم يلوذ بعضهم بإيران كاصطفاف سياسي مشفوع بالمبررات التي بان في كل مرحلة بطلانها شرعا وإخفاقها واقعا، وغدا بعد غرق السفينة الإيرانية ستعود القاعدة لتسب وتشتم إيران، وستبقى القاعدة تقفز من مركب إلى آخر حتى يدركها الغرق، فمتى تنجو بنفسك -أيها التائه- وتلحق بقوارب النجاة.


الخميس 9 رمضان 1447هـ

536
...المزيد

? {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة ...

? {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري (حفظه الله تعالى)

الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [متفق عليهما].

وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) [البخاري].

إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين، نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفص الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.

إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة.

ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين، فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.

وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول: ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم فلقد أبقاه الله تعالى حربا لكم، وفضحا لغيكم، وإزهاقا لباطلكم.

أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها، ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة، بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري، واستبداله سريعا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي؛ عينوا له زعيما صوريا جديدا، استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب.

وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات، كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل، من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان، قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرأوه علينا، وجعلوه حفيد الفاتحين، ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم، كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل!

وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام "ردع العدوان" فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء.


ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم، فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك؛ فمهما تردى في مهاوي الردة، فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري وقد حرس حدود اليهود لعقود، ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.

إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم، وجعل ذلك أولويتهم، وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.

أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولم تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم فتوبوا إليه، والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية؛ تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.

وفي مقام النصح أيضًا، نخاطب أهلنا المسلمين في الشام، يا قوم: لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم: لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه، يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري؛ فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا اللهم فاشهد.

ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار، على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب، أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين؛ أن يعير الموحدين الصابرين؟، يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم، هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه، واستنزفوه وحيروه وأعيوه، حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.

أفعشت حتى عبتهم قل لي متى *** توجت سرعة ما أرى يا بيدق

أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم، تهابكم الدول وتخافكم الجيوش؛ الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم، لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم -كما فعل غيركم- لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.

روى ابن إسحاق في السير قال: "لمّا اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قَالَ الْعَبّاسُ بنُ عُبَادَةَ: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ؛ فَمِن الآنَ؛ فَهُوَ وَاللَّهِ -إِنْ فَعَلْتُمْ- خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ فَخُذُوهُ؛ فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ نَحنُ وَفّينَا؟ قَالَ: (الْجنَّةُ) قَالُوا ابْسُطْ يَدَك، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايعُوهُ".

وتأملوا -إخواننا- خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}.

وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا، سلقونا بألسنة حداد أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم، على أرائك الترف والوهم.

‌أفِي ‌السِّلْمِ ‌أعْياراً ‌جَفاءً ‌وغِلْظَةً؟ *** وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ


فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية -بفضل مولاها- نجاحًا باهرًا مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم، وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت، ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.

لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم، والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟

كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عقابها، يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام، في الوقت الذي كان فيه الجهاديون تحت التنظير والاستقطاب الرافضي، كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.

وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية -بفضل الله تعالى-، شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان، وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر: "دولة الإسلام مرت من هنا"، ونقشوا على وجنة الجوزاء: "نحن لها، نحن لها"، واسألوا جيف اليهود في "سيدني"، والنصارى في "أورليانز"، سلوا الروس في "موسكو" وأذنابهم في "القوقاز"، سلوا معابد الرّافضة في "كرمان" و "عمان"، وسلوهم في "خراسان" و "باكستان"، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.

وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات، إخواننا لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك؛ الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب؛ كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.

ومما تسلقنا به الألسنة الحداد، أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة، ولا غي مثل الديمقراطية؛ فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب، فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة، فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام؛ فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها، ولتسلم لنا عقائدنا، نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات، وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.

ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا: محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا: مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا: مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا: هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا: يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر، قالوا: واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا: متشددون، وإن صمتنا قالوا: غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.



وحاصل الأمر: أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة، وكل ظفر بها فوزًا، ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة، تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.

وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال؟ محضن الرجال وقلعة الأبطال، أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات، وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال "مسكاد" بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى؟ أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟ فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.

ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا، ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم؛ تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.

شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ *** ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ

ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية فأبادوا من فيها، ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار "نيامي"، يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة؛ طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.

ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية، فأحرقوا المعسكرات والثكنات، وسلبوهم الأسلحة والمعدات، في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين.

وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك، لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد، وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد.

لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف، وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح، في صورة جلية للأخوة الإيمانية، وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية، فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، والله نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية، فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.

أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: (لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ)، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين".

وعملًا بنصوص الوحي، فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا، وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا الله في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.

وفي هذا المقام، نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال، وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون، وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم فالهجرة باقية، والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.

ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا، فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية، يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.


وفي ميدان التضحية والشّهادة، ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد، قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام، خلال العامين الماضيين اللذين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب، لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.

أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ *** ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا

وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً *** وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا

ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة، حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم، وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.

مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما *** بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ

فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم، واستلهموا الهمّة من دمائهم، وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم، وكونوا خير خلف لخير سلف.

وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند نقول لهم: إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة، وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها، وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

فاجتهدوا في نصرة المجاهدين، وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات، وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية فعندها طلبه، فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات؛ لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.

وقبل الختام، نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا:

أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه، ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه، فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ" أهـ، فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة، لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}.

واعلموا أيها المجاهدون، أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده، وما أعده للصابرين في دار كرامته، وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها.

كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا، وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات، فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.


ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا؛ اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا؛ تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان، فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين؛ فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان.. ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء".

كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم؛ وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك؛ تخطفتك سهامهم.

ومما يتصل بالأمن، قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك: التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا، ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة.

ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته: الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.

وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة، تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه، والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر، وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.

{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.


الخميس 9 رمضان 1447هـ
...المزيد

? (سُجَّدًا وَقِيَامًا) خلق الله الليل والنهار متعاقبين يخلُف أحدُهما الآخر، وجعل فيهما مواقيت ...

? (سُجَّدًا وَقِيَامًا)

خلق الله الليل والنهار متعاقبين يخلُف أحدُهما الآخر، وجعل فيهما مواقيت الصلاة والنسك والذكر والتفكر، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}، فالمؤمن عبد لله في الليل والنهار، وقد خصّ الله الليل بأن جعله وقت السكن والخلوة، لكن أهل الغفلة جعلوه وقت الصخب والشقوة.

أما عباد الرحمن فهم يتحينون قدومه بشوق كبير للخلوة بربهم والوقوف بين يديه سبحانه، والمرابطة على بابه واللوذ بجنابه، يناجونه طمعا فيما عنده وخوفا مما عنده، يصفّون لله أقدامهم بعيدا عن أعين الناس طلبا لمرضاته، فقد عرفوا فضل قيام الليل وقيمته فاغتنموه وانشغلوا به فيما ينفعهم عمّا لا ينفعهم، وقد قيل للحسن البصري: "ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم نورا من نوره". [قيام الليل للآجري].

▪كان فرضا أول الأمر

في بداية الإسلام كان قيام الليل فريضة على المسلمين، لقوله عز وجل مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم- في أول سورة المزمل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}، وروى مسلم في صحيحه أن سعد بن هشام قال لعائشة -رضي الله عنهما-: "أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْل تَطَوُّعًا بَعْدِ فَرِيضَتِهِ"، فنسخ آخرُ السورة أولها وأصبح نافلة رحمة ورأفة من الله عز وجل بعباده المؤمنين، فأصبح أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما في الحديث الصحيح: (أفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل) [مسلم].

▪قيام الليل في القرآن

ولقد أثنى الله عز وجل على المتهجدين المجتهدين في الليل بأحسن الثناء، في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، قال الإمام البغوي: "المعنى: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة (سُجدا) على وجوههم، و (قياما) على أقدامهم".

وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، قال ابن عباس: "لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا، وقال قتادة: قلّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله عز وجل؛ إما من أولها وإما من أوسطها، وقال مجاهد: قلّ ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون". [التفاسير].

وقال سبحانه: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، قال ابن كثير: "يعني بذلك قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفُرش الوطيئة، خوفا من وبال عقابه، وطمعا في جزيل ثوابه".

وقد وصف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في القيام فقال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه *** إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا *** به موقنات أنّ ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه *** إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

▪قيام الليل في السنة

وكما هي الآيات القرآنية، فقد ازدحمت الأحاديث النبوية في بيان فضل قيام الليل والترغيب فيه، ولو لم يكن من ذلك إلا أنه وقت إجابة الدعوات وتنزل رب البريات؛ لكفى، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَك َوَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟).





ومنه أيضا ما أخرجه أحمد والترمذي -بإسناد حسن- عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا)، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقَالَ: (لِمَنْ أطابَ الْكَلَامِ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وأدام الصِّيامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ).

▪بين الجهاد والقيام

وفي الجمع بين مقام الجهاد والقيام، أخرج أبو داود وأحمد، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقا مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الاِنْهِزَامِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَجَاءً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ).

▪معينات على قيام الليل

وبعد أن تعرفنا على هذه الفضائل العظيمة لهذه العبادة الجليلة، فلا بد من معرفة الأمور التي تعين العبد عليها في عصر اللهو والغفلة، فمن المعينات على قيام الليل: ترك الذنوب والخطايا فإنها تحجب العبد عن الطاعة، فمن عصى في النهار نام في الليل! كما قال الحسن البصري: "إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل". [التهجد لابن أبي الدنيا].

ومما يعين على القيام: التبكير إلى النوم وترك مجالس السهر واللغو والقسوة، فقلّما يسهر المرء في هذا العصر في خير وطاعة، ومن ذلك أيضا: الاستعانة بالقيلولة في النهار، فإن لها أثرا وبركة تبلغ العبد في الليل، ومن ذلك: ترك الإفراط في الأكل والشرب، فإنه يورث الكسل ويثقل البدن عن القيام، ومن ذلك أيضا: النوم على طهارة، والاضطجاع على الشق الأيمن كما كان يفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه أدعى لليقظة كما بيّن ابن القيم في زاده، ومن ذلك: الحذر من وثارة الفراش وما تعلّق به، فإنه يدعو إلى طول النوم، ومن ذلك بذل الأسباب المادية التي تعين على اليقظة كالمنبّهات السمعية ونحوها.

وملاك ذلك كله: مجاهدة العبد نفسه على القيام وترويضها وأطرها، فهي تميل إلى الراحة، والدعاء والتضرع إلى الله تعالى بأن يعينه ويوفقه إلى القيام فهو والله رزق يسوقه الله إلى طلاب آخرته.

وبعد أخي المسلم، ها قد انقضت العشر الأوائل من رمضان سريعا سريعا، وبدأ العابدون يستعدون للعشر الأواخر من الآن، وقد سقنا بعضا من فضائل قيام الليل حثّا وتشجيعا -لأنفسنا وإياكم- على اغتنام هذه العبادة في هذه الأيام المباركة التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، فلوذوا أيها المؤمنون بربكم سبحانه، أحيوا ليلكم سُجدا وقياما بين يديه، ولا تبرحوا عتبته، فمنه وحده التوفيق والرحمة والنجاة، اللهم إنا نسألك من فضلك ورحمتك.


الخميس 9 رمضان 1447هـ


536
...المزيد

? 【بين رمضانين】 استقبل المسلمون في ربوع العالم شهر رمضان المبارك، بالاختلاف والتنازع على يوم ...

? 【بين رمضانين】

استقبل المسلمون في ربوع العالم شهر رمضان المبارك، بالاختلاف والتنازع على يوم ثبوته، وسيختلفون ويتنازعون كذلك في يوم وداعه، يستثقلونه زائرا قادما ويتنفسون الصعداء منه زائرا مودّعا، ثم ينتظرون أن تحلّ بركاته عليهم وهم لم يعظّموا فيه إلا ما يملأ بطونهم.

هذه حقيقة يضجّ بها حال أمة الإسلام اليوم بعيدا عن محاولات تزيين الواقع بزينة مصطنعة مبتذلة؛ كما يفعلون مع رمضان ذاته الذي يستقبلونه بكل أنواع الزينة المادية إلا تزيين قلوبهم بنور الإيمان، وتطهيرها من الخبائث والأدران التي علقت بها طوال العام، حتى جعلوه طقسا وموسما لتبديد التقوى ومحاربة الوقار والخشوع، إلا ما رحم ربك.

إنّ اختلاف المسلمين كل عام في تحديد موعد دخول رمضان، ليس بسبب الهلال المظلوم فهو والله بريء من كل هذه السجالات السنوية التي تتعدى اختلاف المطالع وسعة الشريعة، وإنما سبب الاختلاف هو حالة التمزق والتشرذم التي صنعتها الحدود الوطنية التي تقدسها الشعوب ويحرسها الجنود، وتنشأ الأجيال على تعظيمها، ويتواصى الآباء والأبناء بحبها وهي تلتف على رقابهم تحصد دينهم، وفي كثير من الأحيان تأخذ معها دنياهم، ولا عجب فمن الحب ما قتل!

إنّ تعظيم شعائر الله من علامات المؤمنين الصادقين المحققين لتقوى الله تعالى كما بيّن سبحانه في قوله: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}، وشعائر الله كما قال المفسرون: هي معالم دينه الظاهرة ونُسكه العامة، ولا شك أن شهر رمضان من أبرزها وأعظمها، وقد ازدحمت نصوص الوحي بأنواعها؛ قرآنًا وسُنةً نبويةً وقُدسيةً، لتؤكد فضائل هذه الشعيرة الإلهية، وتُعلي مقام هذه الفريضة الإيمانية، المعظمة المقدرة في قلوب أهل التقوى.

لكن ما يصدر عن كثير من أهل القبلة اليوم، ينافي ويصادم ذلك المقام بالكلية، ولو أن رمضان جاء على هيئة بشر إلى الناس لاجتمعوا عليه وقتلوه مع سبق إصرار وترصد! ليريحوا أنفسهم من قيوده وحدوده التي حددها الله تعالى بحكمته، ويرون فيها كبتا لشهواتهم التي لم يشبعوا منها طوال عام كامل! فهم على استعداد أن يلتزموا بكل حدود الأرض إلا حدود الخالق سبحانه وتعالى.

ولذلك يصوم كثير مِن هؤلاء عن الطيبات ويفطرون على الخبائث، يمسكون عن الحلال من أول النهار إلى آخره، لكنهم لا يمسكون عن الحرام طيلة الشهر بل سائر الدهر، فلا تقوى حققوا ولا أجرا حصّلوا، لا لسانا صانوا ولا بصرا غضّوا، أتاهم رمضان فلم يحسنوا استقباله، تأسّفوا على قدومه وينتظرون بفارغ الصبر مفارقته!

لكن لو عدنا إلى القرون المفضلة والقدوات المبجّلة في عصور المسلمين الذهبية، لوجدنا حالهم يختلف تماما عن حال هذه العصور سواء فيما يتعلق برمضان المبارك أو غيره من المواسم والشعائر الإيمانية، فاستقبالهم رمضان كان يبدأ قبل قدومه أصلا، يتهيأون له بتزيين قلوبهم بالتوبة والأوبة إلى الله تعالى، وتطهير أنفسهم من أمراضها وتنقية قلوبهم من أسقامها، حتى تصفو وتزكو فتكون أهلا لتنزل الرحمات والبركات عليها.
ثم إذا ما ثبت رؤية هلاله في حضَر أو بادية، أذعنوا له وصاموا جموعا لرؤيته، ثم خلوا في محاريبهم سُجّدا لله وتبتّلا، وانكبّوا على مصاحفهم تلاوة وتدبرا، وتسابقوا إلى أموالهم بذلا وجودا، وإذا ما حي المنادي للجهاد نفروا خفافا وثقالا شيبا وشبانا يبتغون القتل مظانه بحثا عن شرف العبادة في شرف الزمان.

لمّا كان هذا حالهم في الأولى، وتلك خصالهم طاعة لله وخشية وتقوى؛ تنزلت عليهم البركات وصار رمضانهم شهر انتصارات وفتوحات، وحصدت قلوبهم ثمرة هذا الموسم طيلة العام فاستقامت على الطاعات، ولم تنكث عهدها مع ربها، ولم تنقض غزل شهرها وتضع يدها مجددا في يد عدوها الأول -شيطانها-.

وإذا ما شارف الشهر على الرحيل، لم ينشغلوا بموعد أفول هلاله وكأن حِملا ثقيلا سيزول عن صدورهم -حاشاهم-، بل هبوا مجددا في أيامه الأواخر يجددون النوايا والهمم على بذل المزيد، بحثا عن الظفر بليلة هي خير من ألف شهر، عاكفين قائمين لله تعالى تكاد تنكسر أصلابهم ليس من سرعة النقر -كنقر الديكة- بل من طول القيام حتى كأنّ أحدهم سُنبلة ملأى تحني رأسها من شدة الانكسار والإخبات والذلة لباريها، أما الفوارغ فوارغ من كل شيء.

وإذا ما انقضى الشهر وانصرم، عاشوه مجددا في غير رمضان، فالصيام صيام والقيام قيام، والتلاوة تلاوة والجهاد جهاد، فالرب المعبود تعالى هو ذاته سبحانه وتقدست أسماؤه، فكان بحق كل أيامهم رمضان، فهذا هو رمضان الذي يريده الله تعالى من عباده المؤمنين، والذي نذكر أنفسنا والمجاهدين وسائر إخواننا المسلمين بتقديره وإنزاله منزلته واستغلال كل لحظاته بطاعة الله سبحانه.



ولأنه أيام معدودات، فسرعان ما ينقضي بصيامه وقيامه وقرباته، وقلوب المؤمنين منه في وجل! ولذا كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يقبله منهم، وهم أحيوه بحذافيره وعمّروا أوقاته دقيقة دقيقة، وهذا هو دأب المتقين الذين وصفهم الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}، روى الترمذي وأحمد وابن ماجة من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: "يا رَسولَ اللهِ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)، أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟" قَالَ: (لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُ، ويُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ).

نسوق هذه المقارنة الحادة بين هذين الرمضانين بين السابقين واللاحقين، لنشحذ همم المسلمين ونذكّرهم كيف كان السلف يعيشون رمضان؛ يستقبلونه ويستثمرون أوقاته، يفرحون بقدومه ويحزنون لفراقه، يحيون نهاره بالانكسار لمولاهم، ويُسهرون لياليه بالقيام بين يدي باريهم، ثم يعقبونه بالاستقامة، هذا هو رمضان الذي يحقق التقوى ويجلب البركات، هكذا كانوا، فكونوا مثلهم وتأسوا بهم، {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}.


الخميس 2 رمضان 1447هـ

535
...المزيد

? #رمَضان ?الفرح والتبشير به قال ابن رجب: "كان النبي -صلى الله ...

? #رمَضان



?الفرح والتبشير به
قال ابن رجب: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما أخرج أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه يقول: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه..)" [جامع العلوم].

? ثبوت دخول الشهر
يثبت دخول الشهر بأحد أمرين: رؤية هلال رمضان أو إكمال شعبان ثلاثين يوما، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) [متفق عليه].

? تعلم أحكامه
عملا بالقاعدة الشرعية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فيجب على كل مسلم أن يتعلم ما يتعلق بأحكام رمضان قبل دخوله، حتى لا يقع في شيء يفسد عليه عبادته، وإن أشكل عليه شيء فينبغي أن يسأل عنه.

?تبييت نية صيامه
قال -صلى الله عليه وسلم-: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له) [النسائي]، وهذا في صيام الفرض، أما صيام النفل فمباح أن ينويه خلال النهار إذا لم يأت شيئا من المفطرات، ويكفي لرمضان نية واحدة في بداية الشهر ما لم ينقطع الصيام بعذر.

? كثرة التلاوة والتدبّر
قال ابن رجب بعد أن ذكر نماذج من اهتمام السلف بتلاوة القرآن: "فأما في الأوقات المفضلة -كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر-.. فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن؛ اغتناما للزمان" [جامع العلوم].

? الاعتدال في الأكل والشرب
لأن كثرة الأكل والشرب يقترن به غالبا التقصير في الطاعة والتكاسل عنها، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) [الترمذي].


الخميس 24 شعبان 1447هـ

534
...المزيد

534 ? شهر الخير أيام قلائل ويهلّ علينا زائر كريم وموسم خير كبير، يحمل في طياته كنوزا لا تقدر ...

534 ? شهر الخير

أيام قلائل ويهلّ علينا زائر كريم وموسم خير كبير، يحمل في طياته كنوزا لا تقدر بثمن، من ظفر بها واغتنمها كان من الرابحين السعداء، ومن غفل عنها وفاتته أثمانها كان من الخاسرين الأشقياء، فهلم بنا نتذاكر كيف نستقبل هذا الضيف بقلوب مستعدة ونفوس متشوقة لنظفر بخيره وننعم ببركاته.

▪موسم التجارة الرابحة

شهر مبارك وأيام معدودات لكن في طياتها بركات وخيرات، زائر يأتي مسرعا حاملا معه صفقات رابحة وبضاعة نفيسة، قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) [الترمذي].

وجاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه)، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟!

فإلى كل من ألمّت به الهموم والغموم وأحاطت به الخطوب؛ ها قد أقبل شهر تستجاب فيه الدعوات تفرج فيها الكربات، وتنزل فيه الرحمات من رب الأرض والسماوات، وإلى من يريد أن يتقدم ويجوز، لكنه ما يلبث أن يقع في حبائل الذنوب؛ ها قد أقبل شهر العتق من النيران، وشهر الانتصار على الشهوات والشيطان، وإلى المجاهدين الذين ينتظرون فجر النصر؛ ها هو شهر الغزوات والانتصارات والفتوحات، ألا إنها أيامٌ الخاسر فيها من ضيعها، أرأيتم لو أُهدي لأحد الفقراء جرة ذهب أكان طارحها؟ فكيف بنا نحن الفقراء المحتاجون إلى الحسنات والمغفرة، إلى عفو الله ورضاه، وقد أنهكتنا الدنيا وصرعتنا وألهتنا، فنحتاج إلى ملاذ نأوي إليه، تستجم فيه النفوس وتختلي فيه بالملك القدوس، هذا المأوى هو رمضان.

لو عددنا فضائله ما أحصيناها؛ تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، وتصفّد فيه الشياطين، ولله في كل ليلة عتقاء، فيه ليلة خير من ألف شهر، كنوز نحن بأمس الحاجة إليها لمن كان له قلب، فحري بمن عرف فضل الزائر أن يستعد لاستقباله فلربما لا يكتب له لقاء معه، فكم هم الذين منّوا أنفسهم بصيامه غطاهم الثرى قبل إدراكه!

▪ردوني عليهم

"باع قوم من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟ لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم" [لطائف المعارف]، هكذا حال الصالحين النجباء الذين يعرفون أن العمر فرص وأن الموت يأتي بغتة، فكما يكدح أهل الدنيا في طلبها فكذا يكدح الصالحون في طلب الآخرة، ويرون أن الدنيا محطة وقود يتزودون منها فقط ليكملوا المشوار إلى دار الخلود.

لقد كان حال سلفنا في استقبال شهر الخير مغايرا تماما لواقع أمتنا المرير! فانظروا كيف كان استقبالهم وكيف هو استقبالنا، فهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يكثر من صيام شعبان استعدادا لرمضان، أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد روي أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان -وإذا دخل تفرغوا للعبادة وقراءة القرآن والاتجار مع الله- ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.

أما عن استعداد أهل زماننا له فلا تسل عن المأكولات حين تُخزن وكأنه شهر الجوع، ولا تسل عن التنافس على الملبوسات والمشتريات، يضيعون الصلوات من أجل شراء حاجيات رمضان في الأسواق، مشاحنات وصراعات على أتفه الأسباب، وكأنّ الشيطان قبل أن يصفّد ينال منهم وينهلون منه، فعلى هذه الحال يبكي القلب دما وتذرف العين دمعا، فلو كان عرضا من الدنيا لتهافتوا عليه تهافت الأنعام الجائعة، ولكن هي وربي قلوب غشيتها الغفلة، وأهلكها حب الدنيا، فتعالوا نمحو الغبار عن القلوب، ونتعلم كيف نستقبل رمضان.

▪لن يسبقني إلى الله أحد

الزم أخي المسلم هذا الشعار فيما بقي من شهر شعبان فهو شهر يغفل عنه الناس، فاتخذه وقودا لك لتكمل المسير وتلتقي بشهر الخير، وإليك أخي المسلم بعض الخطوات نذكرك بها لتعينك على حسن استقبال شهر الخير.

●أولا: اشكر المولى سبحانه على نعمة رمضان فهو فضل كبير من رب جواد كريم، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.

●ثانيا: لا يمكن بحال من الأحوال أن تتحلى قبل أن تتخلى، فتخلَّ عن ذنوبك وتب منها من الآن، جدد نيتك على عدم الرجوع إليها كبيرها وصغيرها، ولتكن توبة صادقة تستقبل بها هذا الضيف العزيز، فالذنوب عوائق في الطريق لن تدعك تكمل الطريق، فكم من محروم حُرم لذة العبادة بسببها.



●ثالثا: أصلح ما بينك وبين الناس وتحلل من المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها، فرب دعوة مقهور بسببك منعتك البركة والتوفيق، فإياك أن يأتي رمضان وبينك وبين إخوانك عداوة وشحناء.

●رابعا: امسك مصحفك من الآن، وابدأ في تلاوته وتدبر معانيه، وأكثر من التلاوة أضعاف ما كنت قبل، فشهر رمضان شهر القرآن.

●خامسا: اعزم على النفقة في سبل الخير وخاصة الأسرى والذراري، وساهم في إفطار الصائمين ولو باليسير، خصص مبلغا من الآن ولا تتعذر باحتياجك وتذكر، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فأنت تتعامل مع الكريم.

●سادسا: اشرع وسارع في تعلم أحكام الصيام، لكي تعبد الله على بصيرة ويصح صيامك وتسلم عبادتك.

●سابعا: أكثر من الدعاء أن يعينك الله تعالى على العبادة، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود والنسائي من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ)، فَقَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ).

فأحسن أخي المسلم الاستعداد لرمضان، فهو فرصة من فرص العمر وغنيمة لا يفوز بها إلا من وفقه الله، فأرِ مولاك منك عزيمة وصدقا، واحرص أن يكتب اسمك من العتقاء، فتسعد سعادة لا تشقى بعدها أبدا، والحمد لله رب العالمين.



الخميس 24 شعبان 1447هـ
...المزيد

534 ? البرهان الشافي في التوحيد "وإذا تأملت القرآن وتدبرته، وأعرته فكرا وافيا، اطّلعت فيه من ...

534 ? البرهان الشافي في التوحيد

"وإذا تأملت القرآن وتدبرته، وأعرته فكرا وافيا، اطّلعت فيه من أسرار المناظرات، وتقرير الحجج الصحيحة، وإبطال الشُّبه الفاسدة، وذكر النقض والفرق، والمعارضة والمنع، على ما يشفي ويكفي لمن بصّره الله، وأنعم عليه بفهم كتابه.

ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إلى قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، فهذا استدلال في غاية الظهور ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله وحدوث العالم وإثبات نوعي توحيده تعالى؛ توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر، وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له.

ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض، فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله، وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك ضرورة، فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه، فصدّرها تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم.

ثم قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فأمرهم بعبادة ربهم، وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته؛ لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمه وإحسانه، وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا، وكل ذرة من العبد فمملوكة له ملكا خالصا حقيقيا، وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه، فعبادته له وشكره إياه واجب عليه، ولهذا قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، ولم يقل: إلهكم. والرب هو: السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب في العقول والفِطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له.
ثم قال: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} فنبه بهذا أيضا على وجوب عبادته وحده، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم، كما قال في غير موضع من القرآن: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف]، فإذا كان هو وحده الخالق، فكيف لا يكون وحده المعبود؟! وكيف يجعلون معه شريكا في العبادة! وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق، وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية.

ثم قال: {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم، وأنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ولا في خلقكم، وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته، وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله، فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله، ووحدانيته في صفاته، فلا شبيه له فيها، ولا في أفعاله فلا شريك له فيها.

ثم ذكر المطلوب من خلقهم، وهو: أن يتقوه فيطيعونه ولا يعصونه، ويذكرونه فلا ينسونه، ويشكرونه ولا يكفرونه، فهذه حقيقة تقواه.
وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قيل: إنه تعليل للأمر، وقيل: تعليل للخلق، وقيل: المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته، وقيل: المعنى خلقكم لتتقوه، وهو أظهر لوجوه:

أحدها: أن التقوى هي العبادة، والشيء لا يكون علة لنفسه.
الثاني: أن نظيره قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات].
والثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} من الأمر.

ولمن نصر الأول أن يقول: لا يمتنع أن يكون قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعليلا للأمر بالعبادة، ونظيره قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة]، فهذا تعليل لكتب الصيام، ولا يمتنع أن يكون تعليلا للأمرين معا، وهذا هو الأليق بالآية، والله أعلم.

ثم قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ}، فذكر تعالى دليلا آخر متضمنا للاستدلال بحكمته في مخلوقاته.
فالأول: متضمن لأصل الخلق والإيجاد، ويسمى: "دليل الاختراع والإنشاء".
والثاني: متضمن للحكم المشهودة في خلقه، ويسمى: "دليل العناية والحكمة"، وهو تعالى كثيرا ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن.



ونظيره قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم]، فذكر خلق السماوات والأرض، ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها...

ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة]، وهذا كثير في القرآن لمن تأمله.

وذكر سبحانه في آية (البقرة) قرار العالم وهو: الأرض، وسقفه وهو: السماء، وأصول منافع العباد وهو: الماء الذي أنزله من السماء، فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه، ونبه تعالى بجعله للأرض فراشا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها، فجعلها فراشا ومهادا وبساطا وقرارا، وجعل سقفها بناء محكما مستويا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب.

ثم قال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة وخلوصها من كل شبهة وريب وقادح، وأن كل متكلم ومستدل ومحجاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله، وأعرض القول فيه فغايته -إن صح ما يذكره- أن ينتهي إلى بعض ما في القرآن فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد، أي: إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف يجعلون له أندادا!؟ وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله.

فلما قرر نوعى التوحيد أتم تقرير انتقل إلى تقرير النبوة فقال: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} إن حصل لكم ريب في القرآن وصدق من جاء به، وقلتم: إنه مفتعل؛ فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهه، وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه، يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك، حتى إن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه، فإنهم أتوا بشيء يستحيي العقلاء من سماعه، ويحكمون بسماجته، وقبح ركاكته وخسته، فهو كمن أظهر طيبا لم يشم أحد مثل ريحه قط، وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم، وجاء الحمقان بعذرة منتنة خبيثة، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئت به، فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة؟!.

وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، كما يقول المعجز لمن يدعي مقاومته: اجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك، ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به، فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا، إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله..

فاشتملت الآيات على تقرير مهمات أصول الدين؛ من إثبات خالق العالم وصفاته ووحدانيته، ورسالة رسوله، والمعاد الأكبر". [بدائع الفوائد/ابن القيم].



الخميس 17 شعبان 1447هـ
...المزيد

534 ? 【اللواء تسعون!】 تضافرت الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد بذكر الطائفة المنصورة وبيان ...

534 ? 【اللواء تسعون!】

تضافرت الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد بذكر الطائفة المنصورة وبيان صفاتها بما لا يُبقي عذرا للتخلّف عن ركبها، وجاءت بروايات عديدة وعبارات وألفاظ واضحة صريحة تقطع بثبوتها، ولكن ليست رواياتها هي موضع الاختلاف بين المتمسحين بها من أهل القبلة على اختلاف مشاربهم؛ إنما الاختلاف والتمايز في الامتثال لصفاتها والثبات والموافاة عليها.

وقد أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً)، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) وفي لفظ: (وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) زَادَ ابْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو فِي حَدِيثَيْهِمَا: (وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ -وَقَالَ عَمْرٌو: الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ- لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ).

إذن، فالفرقة الناجية المنصورة هي التي تسير على ما سار عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والموافِقة لجماعة الصحابة -رضوان الله عليهم-، الآخذة بعقائدهم والمتمسكة بآرائهم، وهي تسير على ذلك المسار النبوي معتصمة متكاتفة، لا ترضى بتقاسم الأهواء ولا تفرق دينها شيعا، بل تلتزم الجماعة وتوحّد الأمة وتجعلها يدا واحدة على من سواها، عملا بقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة).

والطائفة المنصورة راسخة العقيدة يتقدم توحيدُ الله الخالص كل أولوياتها، فهو الأصل والأساس، توحيد صاف لا يشوبه موالاة كفرية، ولا يصادمه ديمقراطية أو علمانية أو وطنية، توحيد توالي فيه وتعادي عليه، وتنذر من كل الشرك والمشركين وتكفّر من فعله، ولا تبتدع في دين الله أو تُحدث ما ليس منه، بل تتبع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، أهل القرون المفضلة.

ومن صفات الطائفة المنصورة، القيام بأمر الله تعالى كلّ أمره، توحيده وحكمه وشريعته، ولا تُفرق أو تتدرّج أو تداهن فيه، ولا تقبل في ذلك التنازلات أو ترضى بأنصاف الحلول والمساومات، بل تجعل نحورها دونه، ومهجها سربالا له، تقيه من كل تحريف وتنقيص وتعطيل.

والطائفة المنصورة تسعى لبسط سلطان الإسلام ونفوذه في كل أرجاء البسيطة، بالسيف الناصر إلى جنب الكتاب الهادي، ليحكُم الدين ويسود، ومن أبرز صفاتها وهي التي تشتد الغربة فيها، أنه لا يضرها حشود المخالفين، ولا تعثُّر المتساقطين المخذلين، ولا تكذيب الهاذرين الهاذين، وإنما يستنير خلَفُها بنور دماء سلفها المُقتبس من صبرٍ ويقينٍ؛ أثمرا ثباتا على دربها إلى أن جاء الكتاب وحلّت المنية.

تلك أهم صفات الطائفة المنصورة يلخصها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)، وعلى هذا تتلاحق أجيالها جيلا بعد جيل، حتى يكون آخرهم جندا كماة في جيش عيسى -عليه السلام- في المعركة الأخيرة مع الأعور الدجال.

ورغم وضوح وبروز معاني ومدلولات هذه النصوص النبوية الصريحة؛ إلا أن الكثيرين من أهل القبلة انخدعوا بهذه الرايات الجاهلية، وانطلى عليهم أنها متمسحة بالطائفة المنصورة ليست منها؛ مع أن انتحال هؤلاء لها بيّن، وتشبّعهم بها ظاهر، وبينها وبينهم بعد ما بين المشرقين؛ {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

ونضرب مثالا ليتضح المقال؛ الدولة التسعون في التحالف الدولي الصليبي، رغم ترديها في متاهات العلمانية، وضياعها بين غياهب الديمقراطية، وتيهها في دياجير الموالاة الكفرية، وانخسافها وتجلجلها في حمأة الردة البينة الجلية، وسوخها وارتطامها في وحل الوطَنيّة العفنة والقومية القذِرة المذِرة؛ رغم كل هذه النواقض والمكفرات المجتمعات، ترى الغوغاء والهمج الرعاع يتبعون رايتها ويصححون مذهبها، بل ويرون فيها طائفة منصورة!! مع أن الحقيقة الجلية أن مخالفة هذه الراية ومفارقتها والبراء منها هو من لوازم صفات الطائفة المنصورة، فالبراءة منهم صارت عَلَما على موافقة الحق.

ومن شؤم مسلك هؤلاء أن ضررهم وعاديتهم على جناب التوحيد متعدية إلى من سواهم، فهم سلخوا الناس عن عقيدة التوحيد؛ بعد أن انسلخوا منها انسلاخ الحية من قشرها، وصالت ضباعهم على حياض الشريعة كصولة الكافر الأصلي أو أشد صولة، فما أسوأ جريرتهم، وليحملن أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم.




إذن فالطائفة المنصورة من هذا الصنف بريئة، بل لا سبيل لإصابة دربها إلا بالبراءة من هذه الطائفة المخذولة وأخواتها، قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ، عِبَادَ اللَّهِ). [الترمذي]

وفي مقام الاعتبار، تأملوا كيف أنّ الذين اتهموا الدولة الإسلامية بالخارجية وأشاعوا ذلك في البرية؛ صاروا اليوم جنودا محضرين تحت قبة التحالف الصليبي بلواء كفر وغدر رقم (تسعين) ولكل غادر لواء يوم القيامة.

أما أنتم أيها المجاهدون الأبرار، يا من قبضتم على جمر العقيدة تتجلدون حرارتها، وأمسكتم أعنّة خيولكم ومقابض سيوفكم على ذلك تروحون وتغدون جهادا في سبيل الله، يا جنود الخلافة الذين لم تغيّر سنوات الابتلاء طريقهم، ولم تحرف أعاصير الفتن مسارهم، امضوا في طريقكم فكل ما يجري يفصح وينطق بلسان الحال قبل المقال أنكم على الجادة إن شاء الله فواصلوا المسير ولا تلتفتوا، ولينصرن الله من ينصره.


الخميس 24 شعبان 1447هـ
...المزيد

533? بُستان رمضان لا شك أنّ بستان رمضان عامر بالكثير من الخيرات والنعم، أشجار مثمرة وظلال وارفة ...

533? بُستان رمضان

لا شك أنّ بستان رمضان عامر بالكثير من الخيرات والنعم، أشجار مثمرة وظلال وارفة وعيون عذبة وحدائق غنّاء، كما لا يخفى أنّ في كل بستان تخرج حشائش ضارة وهوام تفسد على الزائر غايته وتقطعه عن مراده، فكان لزاما على زائر هذا البستان مطالعة دليله ومعرفه سُبل الانتفاع به، ليسهل عليه قطف ثماره، والتمتع بظلاله والارتواء من معينه، لذا يحتاج الزائر قبل بدء الزيارة إلى وضع جدول أعمال تفصيلي، يراعي مدة مكوثه القصيرة، كي لا يخرج منه إلا سعيدا رابحا.

▪فضائل رمضان

إن رمضان شهر عظيم، فضّله الله على سائر شهور السنة، فيه أُنزل القرآن جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثم أُنزل منجّما بحسب الوقائع والأحداث لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}، وفيه ليلة خير من ألف شهر، {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، فإذا كانت الليلة الأولى من رمضان لم يبق باب من أبواب الجنة إلا فُتح، ولا باب من أبواب النار إلا أُغلق، وتُغلّ الشياطين، كما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان؛ فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين)، فرض الله صيامه في السنة الثانية من الهجرة. ووعد من صامه طلبا لوجهه وثوابه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غُفر له ما تقدم من ذنبه) [البخاري].

▪هكذا يستقبلون رمضان

ولعظمة هذا الشهر الفضيل، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم يفرحون بحلوله، ويُعدّون العدة قبل قدومه، يُسَخِّرون له جهدهم وأوقاتهم وأموالهم، ليس في التسابق إلى الأسواق تلهفا على شراء الأطعمة والمشروبات، وتحضير مختلف الأطباق والمأكولات، بل في التأهب والتشمير عن سواعد الجد لمختلف العبادات، من الصيام والقيام والتلاوة والجهاد والصدقات.

واستعدادا لموسم رمضان كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في شعبان، كما ورد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان" [البخاري].

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان، ما ذكره ابن القيم رحمه الله فقال: "كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف. وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور" [زاد المعاد]. كما كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- أنه يعجل الإفطار ويؤخّر السحور (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) [متفق عليه].

أما الجهاد في سبيل الله فحدّث ولا حرج، فرمضان شهر الغزوات والفتوحات، إذ كان صلى الله عليه وسلم يجهز فيه الجيوش ويعقد فيه الألوية وكان المسلمون يتسابقون فيه إلى حياض الموت وميادين الشهادة.

▪احذروا أعداء رمضان

وفي المقابل، كما يستعد أهل التقوى لاستقبال رمضان واستغلاله؛ تستعد العقارب والهوام الضارة للمكر بالمسلمين وصرفهم عن عباداتهم، وذلك عبر بث العشرات من البرامج والمرئيات الساقطة والهابطة التي تبدد وقت الصائم في الحرام وتحارب الحياء وتنافي غاية الصيام، وتشيع أجواء الفجور في أجل الأوقات والشهور، فهؤلاء هم أعداء رمضان الذين ينبغي الحذر منهم.

ويلحق بذلك بل يزيد عليه مكرا وخطرا، إنتاج ما يسمونه بـ "المسلسلات الدينية" التي يُمثّل فيها الحثالة والساقطون أدوار الصحابة والتابعين! في امتهان صارخ لمكانة السلف وخير القرون، فليُعظّم المسلم قدر عظماء الإسلام في قلبه، وليحذر متابعة هؤلاء المتاجرين بالدين، المستهزئين به، وليتذكّر قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}.

فالحذر الحذر من تفويت أكبر قدر من الأجر والثواب في هذا الشهر العظيم، إنْ قدر الله لك إدراكه هذا العام، فربما يكون هو الأخير في حياتك، وإياك أن تنتهك حرمته فالمعصية فيه تعظم عن غيره! ثم لا تنس أن تتعلم من فقه الصيام ما تصح به عبادتك ويستقيم به صيامك وقيامك، وهو يسير متاح لكل مسلم، وهو من العلم الواجب الذي يأثم العبد بالتقصير فيه.

▪إلى تجار المسلمين

ثم هذه نصيحة إلى تجار المسلمين، إياكم من استغلال هذا الشهر بالاحتكار وزيادة الأسعار، فيضيق الحال على المسلمين ويعسر عليهم التفرغ للعبادة، فتجمع -أيها المسكين- بين إثم الاحتكار وإثم إشغال الناس عن عبادتهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحتكر إلا خاطئ) [مسلم].

وإلى أرباب الأعمال، خصوصا المهن والحرف التي تتطلب جهدا بدنيا كبيرا، غضوا الطرف عن المسلمين في هذا الشهر الكريم، فالربح والرزق بيد الله وحده، وهو يبارك لمن يشاء، فأحسنوا إلى عُمّالكم وارأفوا بحالهم، فمن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) [البخاري].

فهذا دليل متواضع لرمضان، نضعه بين يديك -أخي المسلم- ليكون لك عونا على حسن استقبال هذا الموسم الكبير، فبستان رمضان قد اقترب موعد افتتاحه السنوي، وهو أيام معدودات، تتنزل فيها الرحمة والبركات، فسارعوا إلى البر والإحسان، وتنافسوا فيه، فهو خير ما تنافس فيه الصالحون، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر! وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، والحمد لله رب العالمين.
...المزيد

533? 【غزوة نيامي دلالات وعبر】 تمثّل غزوة نيامي المباركة مرحلة جديدة في جهاد الدولة الإسلامية في ...

533? 【غزوة نيامي دلالات وعبر】

تمثّل غزوة نيامي المباركة مرحلة جديدة في جهاد الدولة الإسلامية في أرض إفريقية، تؤْذن بمزيد من النمو والبركة في تلك الولايات البعيدة التي صارت مركزا متقدما للجهاد النقي في أرضٍ كانت لعقودٍ خلت نهبًا لمخططات ومشاريع الغزو الصليبي والاستخفاف العالمي.

الهجوم جاء هذه المرة "غير تقليدي" أبدا، وهو الوصف الذي دأب المحللون المحليون والصليبيون على إطلاقه على الهجمات الإفريقية المباركة، تقليلا من شأنها وانتقاصا من تأثيرها في مسرح الأحداث العالمية، لكن لم تعد أوصاف الانتقاص تتسع للخرق الكبير الذي أحدثه الهجوم المبارك.

فقد استهدف الهجوم أكبر موقع عسكري حيوي لقوات النيجر وحلفائها ووقع في العاصمة وليس في منطقة ريفية هامشية أو صحراوية نائية، واستهدف عصب القوة العسكرية الجوية لدويلة يتبجح قادتها كثيرا بخبرتهم القديمة في مواجهة الإرهاب، قبل أن يظهر جيشهم على حقيقته في هجوم المطار، -أو عفوا- لم يظهر أبدا.

الروس الذين استجار بهم طواغيت إفريقية، حاولت وسائل إعلام مقربة من "فيلقهم" ادّعاء دور البطولة وتعمّدوا فضح جبن وخور وفشل حلفائهم النيجريين، لكن ما تؤكده رواية المجاهدين أن الروس وحلفاءهم معا لم يجرؤوا على مواجهة أسود الاقتحام في أرض المطار، بينما حاولت جهات مجهولة إنقاذ الموقف متأخرا بشنّ العديد من الغارات الجوية ولكن بعد أن حقق المجاهدون أهدافهم وأتموا هجومهم.

لا تخطئ عين الناظر بركة الجهاد في أرض إفريقية التي اعتاد الناس أن ينظروا إليها كـ "درجة ثانية" في كل شيء، بينما تتربع اليوم على ذروة السنام، وترفع راية الجهاد والشريعة التي وصلتهم بعد ملاحم إخوانهم في العراق والشام، فحافَظوا عليها خفاقة وأخذوها بقوة وأذكوا جذوتها.

يسر قلب المؤمن وهو يرى إخوانه المجاهدين الأفارقة العجم، تتكسر كلماتهم بالعربية، لكن عزائمهم لم تنكسر أمام جيوش الكفر التي تولت كبر الحملة على الولايات الإفريقية، تتلعثم شفاههم بالعربية لكن أفعالهم تنطق بالتوحيد والثبات على منهاج النبوة، وهذا ما يفعله التوحيد والجهاد النقي بأصحابه وحملته، ذلك الذي يتخطى كل الأعراق والفوارق واللغات والبلاد، لكنه يقف عند حدود الشريعة لا يتخطاها فهو بها يمتد ويشتد.

وفي المقابل، يتملك قلب المرء الوجل وهو يرى إخوانه العجم يتقدمون صفوف الجهاد ويتسابقون على بلوغ قممه ورقيّ مراقيه، بينما يتخلف أبناء العرب الأقحاح عن ذلك، ويتثاقلون إلى الأرض ويقعدون عن أداء هذه الفريضة التي جعلها الله -بحكمته وعدله- سبيل خلاص هذه الأمة مما هي فيه من الذل والهوان.

يتخلف أبناء العرب عن الهجرة والجهاد في ميادين القتال وسوح النزال، بينما يُقبل عليها الأعاجم من كل حدب وصوب ليقودوا ملاحم العصر ويردوا عادية الكفر عن أمة الضاد!

لا شيء يتبادر إلى ذهن القارئ غير عقوبة الاستبدال التي لا تشاور ولا تحابي عند استنفار المسلمين للجهاد دفاعا عن دينهم وحرماتهم كما هو حالنا اليوم، لقوله تعالى: {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فالمتخلف عن الجهاد -من غير ذوي الأعذار- آثم مرتكب لمعصية القعود.

حري بشباب المسلمين القاعدين -ومَن في حكمهم- أن يحذروا ويخشوا على أنفسهم الاستبدال، وأن يتفقدوا إيمانهم فالجهاد مرآته وثمرته، وليتدبروا وليقفوا طويلا عند قوله تعالى في الآية السابقة: {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا}، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه".

ومثلها قوله سبحانه: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}، قال البغوي رحمه الله: "بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم". وساق قول الحسن: "هم العجم".

ثم تأمل أيها القاعد ما في قوله تعالى: {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} وقوله: {ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}، من التقريع والتوبيخ للعبد الفطن، ما يخلع قلبه ويُديم وجله وقلقه، إنه تقريع ولوم من الكبير المتعالي -سبحانه- يخبركَ أنكَ إنْ تخلّفتَ عن سبيله فلن تضرّه أبدا، فهو غني عنك وعن سائر الخلق برهم وفاجرهم، وأنت الفقير المحتاج إليه، ليس هذا فحسب؛ بل ينذرك مولاك سلفا أنّك إنْ فعلتَ ذلك؛ استبدلكَ بقوم آخرين أطوع له منك يحبهم ويحبونه، فأي حسرة تفوق هذا الاستبدال؟! فيا حسرة المتخلّفين عن نداء رب العالمين، ويا خسارة القاعدين المتثاقلين.

كل هذه المعاني الجهادية والعبر الإيمانية نستخلصها اليوم ونسوقها على عتبة غزوة نيامي المباركة، التي سطّرها أبناء الكريهة في الساحل من الأنصار والمهاجرين وفي مقدمتهم إخواننا العجم، وخطوا بدمائهم وتضحياتهم فصلا جديدا من فصول بطولات الدولة الإسلامية في الساحة الإفريقية التي تشتد وتمتد بفضل الله تعالى.

إن التوفيق والبركة والنصر الإلهي لا يُشترط له لغة معينة، ولا عرق معين ولا ساحة معينة، فالأرض لا تقدّس أهلها وإن كانت مقدسة فعلا، إنه يتنزل على من يعمل بأسبابه السماوية والأرضية، ويراعي فيه السنن الإلهية ويبذل له غاية جهده ومنتهى تضحياته وثمرة فؤاده؛ عربيا كان أو أعجميا شرقيا أو غربيا، ولكل مجتهد نصيب، فأروا الله من أنفسكم خيرا.
...المزيد

533? نور السنة وظلمة البدعة "فصاحب السنة: حي القلب، مستنير القلب، وصاحب البدعة: ميت القلب ...

533? نور السنة وظلمة البدعة

"فصاحب السنة: حي القلب، مستنير القلب، وصاحب البدعة: ميت القلب مظلمه.

وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع وجعلهما صفة أهل الإيمان وجعل ضدهما صفة من خرج عن الإيمان، فإن القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله، وأذعن وفهم عنه، وانقاد لتوحيده، ومتابعة ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم في جميع جهاتهم فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة.

وإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم، وهذه الظلمة هي التي خلق فيها الخلق أولا، فمن أراد الله سبحانه وتعالى به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها، كما روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى أن يجعل له نورا في قلبه وسمعه وبصره وشعره وبشره ولحمه وعظمه ودمه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه وأن يجعل ذاته نورا، فطلب صلى الله عليه وسلم النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه الظاهرة والباطنة ولجهاته الست.

وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: "المؤمن مدخله من نور، ومخرجه من نور، وقوله نور، وعمله نور"، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر لصاحبه يوم القيامة فيسعى بين يديه ويمينه، فمن الناس من يكون نوره كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة السحوق، وآخر دون ذلك حتى إن منهم من يعطى نورا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان.

وقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا..} الآية [الشورى: 52] فسمى وحيه وأمره روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، وسماه نورا؛ لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل.

وقد اختلف في الضمير في قوله عز وجل: {وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا} فقيل: يعود على الكتاب، وقيل: على الإيمان، والصحيح أنه يعود على الروح، في قوله: {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحا ونورا وهدى، ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كُسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حرمه غيره، كما قال الحسن: "إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة"، وقال جل وعلا: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ..} الآية [البقرة: 257] فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه، من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات.

وقال جل وعلا: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا..} الآية [الأنعام: 122] فأحياه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له نورا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الظلمة، فهو يرى أهل الظلمة في ظلماتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان.

الخارجون عن طاعة الرسل يتقلبون في الظلمات وأتباعهم يتقلبون في الأنوار

والخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.

وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة ونبيها من النور ما ليس لأمة غيرها ولا لنبي غيره، فإن لكل نبي منهم نورين، ولنبيها صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام، كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة.




وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28] وفي قوله: {تَمْشُونَ بِهِ} إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور، وأن مشيهم بغير النور غير مجد عليهم، ولا نافع لهم بل ضرره أكثر من نفعه.

وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم.

وفي قوله تعالى: {تَمْشُونَ بِهِ} نكتة بديعة وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدما عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه.

والله سبحانه وتعالى سمّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ، قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]، وقد فُسّر قوله: {نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بكونه: منوِر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض..

وقوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ..} هذا مَثَل لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أُبيُّ بن كعب وغيره.

وقد اختلف في مفسِّر الضمير في {نُورِهِ}.. والصحيح أنه يعود على الله عز وجل، والمعنى: مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا النور يضاف إلى الله تعالى: إذ هو مُعطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد: إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.
فالفاعل: هو الله تعالى، مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل: قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله.

وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم".
I
[اجتماع الجيوش الإسلامية/ لابن القيم].


الخميس 17 شعبان 1447هـ
...المزيد

532 ? 【الشبيحة والهول!】 ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي بظلالها على المشهد السوري، وفي القلب منه ...

532 ? 【الشبيحة والهول!】

ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي بظلالها على المشهد السوري، وفي القلب منه قضية أسرى المجاهدين الذين تتنافس اليوم الحكومات والميليشيات والإدارات الكافرة على مسك ملفهم وإحكام قيدهم، خدمةً لعيون أمريكا الصليبية.

وبعد خروج هذا الملف من أيدي الإدارة الكردية الشيوعية واستقراره في أيدي الحكومة السورية المرتدة، ها هي الحكومة العراقية الرافضية تستعد هي الأخرى لتأخذ دورا إضافيا في منظومة الحرب على أسرى المجاهدين وعوائلهم وأطفالهم في أكبر عملية أسر جماعي للأطفال والنساء بمباركة وتحريض طواغيت العالم وحكوماتهم وشيوخهم وإعلامييهم ومفكريهم ومؤسسات إنسانيتهم العوراء.

تُذكّرنا هذه الأحداث بقضية سجن صيدنايا الذي ذرف عليه الثوار دموع التماسيح وحوّلوه متحفا لالتقاط الصور التذكارية، بينما جفّت دموعهم وتبلّدت مشاعرهم اليوم أمام صيدنايا الجولاني في مخيم الهول، بل تورطوا في الجريمة ذاتها بالتكتم عليها والسعي لإخفاء ملابساتها وقلب حقائقها وصرف الأنظار عنها، مقابل تحسين صورة المجرم الذي يستأسد على النساء والأطفال، وتصويره على أنه حارسهم! في تناقض فجّ لا تجتمع أركانه إلا في مخيلات عبدة الطاغوت.

وحاليا تعكف جهات أمنية تابعة للنظام، عبر منصات غير رسمية على بث حالة من التضليل الإعلامي المتعمد، بهدف حجب أنظار الناس عن سلوك شبيحة الجولاني في التعامل مع مخيم الهول؛ من خلال تسليط الضوء على بعض السجون والمخيمات الخاضعة للحكومة الرافضية في هذا الوقت بالذات، ليس حبا بأسرى المسلمين هناك بل استغلالا لمعاناتهم في تخفيف الضغط الإعلامي عن نظامهم السوري!

فهؤلاء الكفرة الفجرة لم يكتفوا بالتورط في تأييد وتشييد النظام المرتد في حربه على الإسلام، بل تعدوا ذلك إلى المتاجرة بأعراض المسلمين واتخاذها ورقة لابتزاز المجاهدين تارة، وتارة أخرى لصرف الأنظار عن ممارسات نظامهم الهمجي الذي يُحكم قبضته على الأسر المكلومة في الهول.

إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف الكافرة الثلاثة؛ الإدارة الشيوعية والإدارة الثورية والحكومة الرافضية، فكل طرف يجذب هذه الورقة على النحو الذي يخدم مصالحه، فالإدارة الكردية استغلت الملف في تهديد خصومها واستجلاب الدعم الدولي لها، والنظام السوري استغل الملف لإثبات جدارته وتثبيت أوراق اعتماده في "مكافحة الإرهاب" لدى أسياده الصليبيين، أما الحكومة الرافضية فهي تستغل الملف بشكل خاص في تصفية حساباتها مع من مرّغوا أنفها في التراب وكشفوا للعالم سوأة جيشها الرافضي بغير غطاء الطيران الأمريكي.
وقد أُسقط في أيدي بعض المفتونين بالنظام الجديد، بعد أن رأوا جنود الجولاني يُطْبقون الحصار على مخيم الهول من جميع الجهات وينتشرون كالجراد على بواباته وينشرون القناصات على أبراجه، خشية فرار طفل أو أمّ من هذه الأهوال! في صورة أعادت للأذهان سريعا ما كان عليه الحال قبل أسابيع قليلة فقط، يوم كان الهول تحت سيطرة شبيحة "قنديل" قبل أن يستلمه شبيحة الجولاني.

كما انصدم بعض الواهمين بالنظام، بعدما انتشرت الأخبار عن قتل جنود النظام لأحد زملائهم السابقين بتهمة تهريب عدد من عوائل مخيمات الأهوال، حيث لم تشفع له سابقته ولا صلته عند جلاوزة النظام وزنادقة الثورة الذين حققوا المفاصلة التامة مع معسكر الإيمان في وقت قياسي تفوّقوا فيه -كفرا وردة- على كثير من الجيوش العربية التي شابت في الكفر!

ودعونا نتوقف قليلا عند هذا الحدث الذي تغافل عنه الإعلام الثوري ولم يلق تفاعلا من قبل نشطاء الثورة وشُهّاد زورها الذين فاقوا نشطاء النظام النصيري انحطاطًا ووضاعةً كأنّ شخصياتهم ذابت في شخصيات النظام القديم، فأنبتت لنا مسوخا بشرية، أخذت من رجس النظام السابق والحالي بحظ وافر، فتضلّعت خسةً ودناءةً فاقت كل وصف، ولا عجب إنها شنشنة الطواغيت وحاشيتهم، ومهما تغيّرت قشورها وجلودها فالأصل واحد.
لكن الأمر الذي نحتاج أن نتوقف عنده طويلا، هو ماهية العقيدة العسكرية التي يعتنقها جنود "الجيش العربي السوري" الذين نفّذوا المهمة القذرة بدم بارد مع سبق إصرار وترصد! وبأوامر صريحة من "وزارة داخليتهم" التي يديرها "شبيح" أمني ضالع في العديد من الجرائم والمهام السرية القذرة بحق المجاهدين وعوائلهم كأنه تخرّج من أحد أفرع مخابرات النظام لا الثورة!

متى وأين وكيف وصل جنود الثورة -جنود النظام الجديد- إلى هذه الحالة من الدناءة والانحطاط والافتقار لأدنى درجات المروءة التي تمكث جيوش الطواغيت العربية سنوات حتى توصل أفرادها إلى هذه الحالة الهمجية الفريدة في الانحدار والتخلي عن كل القيم إلى الحد الذي يدفعهم لقتل أحد زملائهم بتهمة شريفة؛ كان جنود الإدارة الشيوعية يغضون الطرف عنها أحيانا مقابل بعض الفتات!


لم تتسع صدور جنود الإدارة السورية لجندي سابق في صفوفهم جريرته المساهمة في تهريب بعض المسلمات من الأهوال، بينما اتسعت لجميع الطوائف الكافرة من الدروز والعلوية والرافضة والنصارى، فما هذه العقيدة القتالية التي جعلتهم يطلقون النار على زميلهم دون تردد؟! بينما يقفون صفا واحدا كالخُشب المُسندة حمايةً لشجرة التثليث أو حمايةً لمعبدٍ رافضي يُسب فيه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نحن نخبركم أي عقيدة قتالية هذه، إنها عقيدة الجيوش العلمانية الكافرة، الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية الغربية، التي تتقن صناعة الطواغيت وتحوّلهم إلى عبدة للطاغوت بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

يقول أحد إخواننا التائبين من إحدى الجيوش العربية المرتدة: كان الجيش في تدريباته يأمرهم بسب الذات الإلهية مرارا بصوت عال -والعياذ بالله- ويجبرهم على تصرفات قذرة غير بشرية خلال الدورات العسكرية "المتقدمة" ليقطعوا أي صلة بين هذا الجندي مع أي نزعة دينية أو خلقية أو بشرية مستقيمة قد تقف حاجزا بينه وبين بعض المهام الأمنية القذرة، هذه بعض طرق الجيوش العلمانية في صناعة جنودها الكفرة.

لكن ما هي طريقة "الجيش العربي السوري" في صناعة جنوده وإيصالهم إلى هذا المستوى المتقدم في الكفر والعربدة؟! ثم إنْ كان هذا سلوك جنود جيش الجولاني بعد أول عام لهم في الحكم، فليبشر أهل سوريا بنظام أسوأ من سابقه، لن يلبث جنوده طويلا حتى يُخرجوا "الشبيحَ" الحقير الذي بداخلهم، ومن لم يُخرجه منهم، سيخرجونه من صفوفهم كما فعلوا بآخرين.

ختاما، هذه رسالة لكل الغيارى من شباب المسلمين في الشام ممن يرون ويسمعون ما يحل بالحرائر في سجون شبيحة الجولاني في الهول وغيره، نقول لكم إن الموت على عتبات السجون ذودا عن هذه الحرمات، ميتة يحبها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهي والله دأب أولي العزمات من السابقين الأولين من المجاهدين الذين غيّبتهم القبور والسجون، والحر تكفيه الإشارة.

الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً