الإخلاص تنقض شرك النصارى ▪️ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أي أنه الواحد الأحد المتفرد بالألوهية ...

الإخلاص تنقض شرك النصارى


▪️ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

أي أنه الواحد الأحد المتفرد بالألوهية والربوبية، لا شريك له من خلقه كما أشركت النصارى معه عيسى وأمه مريم عليهما السلام، قال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة] وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ} [النساء]

▪️ اللَّهُ الصَّمَدُ

أي أن الله هو المقصود بالحوائج، فقد انتهى سؤدده، وكل الخلق محتاج إليه وهو غير محتاج لهم، وقد قال الله عن عيسى وأمه عليهما السلام: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ..} [المائدة]، قال ابن كثير: "كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوباً لا ربّاً"

▪️ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ

أي: ليس له والد ولا ولد، وفيه ردّ على النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله، قال سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا} [مريم]

▪️ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ

أي ليس له كفؤ في ذاته، ولا أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله، ومن جعل لله كفؤا من خلقه، كالنصارى الذين اتخذوا عيسى وأمه مريم -عليهما السلام- إلهين من دونه، فقد كفروا أعظم الكفر، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ..} [المائدة]



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 475
السنة السادسة عشرة - الخميس 25 جمادى الآخرة 1446 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

عيسى رَسُولُ اللهِ -عليه السلام- ▪️ 1- ليس إلها ولا ابنًا لله قال الله تعالى: {لَّقَدْ ...

عيسى رَسُولُ اللهِ -عليه السلام-


▪️ 1- ليس إلها ولا ابنًا لله

قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17].

▪️ 2- بل عبدُ الله ونبيّه

قال تعالى على لسان عيسى -عليه السلام-: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30].

▪️ 3- ورسولُ الإسلام

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا أَوْلى النَّاس بعيسى ابْنِ مَرْيَم في الأولى وَالآخِرةِ) قالوا: كيف يا رسُولَ الله؟ قال: (الأنبِيَاء إِخْوَةٌ مِن عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، ودِينُهُمْ واحِدٌ، فليسَ بيْنَنَا نَبِي) [الشيخان].

▪️ 4- اضطراب النصارى فيه

قال ابن تيمية: "كلام النصارى في هذا الباب مضطرب مختلف متناقض، وليس لهم في ذلك قول اتفقوا عليه، ولا قول معقول، ولا قول دل عليه كتاب، بل هم فيه فرق وطوائف كل فرقة تكفر الأخرى".

▪️ 5- نزوله آخر الزمان

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده، ليوشكنّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريم حكما عدلا، فيكسر الصليبَ، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية..) [متفق عليه].

[الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح]



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 475
السنة السادسة عشرة - الخميس 25 جمادى الآخرة 1446 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

بين الحانوكاه والكريسماس! مع نهاية كل عام ميلادي يتجدّد الجدل حول حكم تهنئة النصارى في ...

بين الحانوكاه والكريسماس!


مع نهاية كل عام ميلادي يتجدّد الجدل حول حكم تهنئة النصارى في أعيادهم الشركية التي تزعم أن "عيسى هو الله!" وأنه "ابن الله!" تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا.

لكننا لا نجد هذا الجدل يُثار حول حكم تهنئة اليهود في أعيادهم، مع أن نفس المسوّغات التي يفترضونها في النصارى، موجودة في اليهود، ومواقفهم من المسلمين متداخلة متماثلة! فلماذا يثار الجدل حول أحدهما دون الآخر؟! وتخيل كيف ستكون ردة فعل الناس على شخص يهنئ اليهود بعيد "الحانوكاه" الذي يقارب زمان "الكريسماس".

إنه الاضطراب العقدي، فنحن نرى من يقيم الدنيا ويُقعدها لتورط حكومة أو فرد بعلاقات سرّية مع اليهود، بينما لا غضاضة ولا نكير على من يوثّق تحالفاته ويرسّم علاقاته مع النصارى شعوبا وحكومات، فضلا عن أن يهنئهم في أعيادهم، مع أن الآيات لم تفرق بين الفعلين في قوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ}، ومع أن الفريقين كفروا بالله تعالى بأبشع وأشنع صورة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}، ومع أن الله شرع لنا في كل صلاة الاستعاذة من سبيل الفريقين {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} و {الضَّالِّينَ}، وبيّن لنا أن اقتضاء صراطه المستقيم في البراءة التامة من الطرفين، فلماذا يشنّعون على التقارب من اليهود، بينما يتقبلون ويتساهلون في التقارب من النصارى، بل يتهافتون على تهنئتهم والتودد إليهم بحجج وذرائع واهية لا يسيغونها في اليهود؟!

ولقد كنا نرى هذا الفصام المنهجي في ردود أفعالهم على استهداف النصارى واليهود في أعيادهم، فيباركون طعن يهودي في "العُرُش" أو "الحانوكاه" ويطعنون فيمن يقتل عشرات النصارى في "الكريسماس" ويعدون الأول "بطلا" والثاني "خارجيا!".

ولذلك من الغبن تصنيف الجدل المثار حول هذه المسألة جدلا فقهيا مجردا، بل هي مسألة عقدية تنم عن مدى عظمة التوحيد في قلوب العباد، ومدى تسليمهم بكفر النصارى ووجوب بغضهم ومعاداتهم تماما كاليهود، وقد بيّن ابن القيم ذلك في فتواه الشهيرة حول المسألة، ووضع يده على الجرح كعادته وشيخه في سبر أغوار النفس البشرية فقال: "وكثير ممن لا قدر للدين عنده، يقع في ذلك" وهذه والله لم تزل هي المشكلة وعين العلة، فإنّ تهافُت الناس على تهنئة النصارى ليس بسبب جهلهم بالحكم الشرعي، ولا حرصا منهم على دعوة النصارى ليلة الكريسماس!، بل بسبب اهتزاز قدر الدين في النفوس، فإنه والله لو عظم قدر الإسلام في نفوسهم، وأيقنوا أنه الدين الحق الأوحد، وأن الله لن يقبل سواه من أحد؛ لأنِفوا أن يتقدموا إلى النصارى بتهنئة في عيد كفري كهذا، ولكنهم استنكفوا أن يكونوا عبادا لله حق العبودية.

ويثير هؤلاء شبها متهاوية حول المسألة، فيدرجون تهنئة النصارى بأعيادهم الدينية تحت بند البر والقسط في قوله تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}، علما أن تهنئة النصارى بأعيادهم الكفرية مسألة مستقلة تماما عن سياق الآية، لأنها محرمة شرعا، وأن الآية محمولة على الكافر غير المحارب، ومع ذلك نقول: هل حقق نصارى زماننا الشروط التي ذكرتها الآية السابقة لينالوا برنا وقسطنا؟!

يدفعنا ذلك للتطرق إلى أحكام أهل الذمة الذين لا يُمنحون "عقد الذمة" من الإمام إلا ببذل الجزية والتزام أحكام الملة، التي جلّتها العهدة العمرية الشهيرة، فهل حقق نصارى زماننا شروطها لينالوا عهدها، أم قد نقضوها من أولها لآخرها؟! بل ولو حققوا شروطها كاملة، لم يجز لنا تهنئتهم في أعيادهم لأنها من شعائر دينهم الباطل، وهو ما لم تفعله القرون المفضلة، فلم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا الصحابة ولا التابعون.

وعليه فالبر والقسط مع الكافر غير المحارب ممن لم يتورط في أي سلسلة من سلاسل العون على حرب المسلمين، بفعل أو قول أو مشورة، أو بمجرد التأييد فالمؤيد كالفاعل، وبالجملة فأهل الكتاب اليوم واقعون تحت قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، قال ابن كثير: "لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة أشقياء"، هذا في حق الذمي، فكيف بالمحارب؟!ولو تتبع المهتم مشارب فقهاء التثليث ومنطلقاتهم، سيجد أغلبهم ممن يرفضون تقسيم العالم إلى "دار إسلام ودار كفر" ويرفضون تقسيم الكافرين إلى "ذميين ومعاهدين ومستأمنين"، وينظرون إليها أنها "موروثات تاريخية!" فرضتها حوادث بعينها لم تعد موجودة في زماننا ولا يصح إسقاطها على واقعنا!

ومما يلقيه الشياطين في روع هؤلاء أن بفعلهم هذا يكسبون قلوب النصارى إلى الإسلام، ومع أن هذا الافتراض تبريري ليس أكثر، إلا أنه على العكس تماما، فإن تهنئة النصارى في عيدهم "توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل"، ولذلك كيف سيهتدي إلى الإسلام وأنت تحببه بما هو عليه من الكفر وتهنئه عليه؟! بل على هذا النحو فإن النصراني هو الذي يقرّبك إلى دينه! ويدعوك إليه! فأنت هنا مفعول به لا فاعل!

وإن التهنئة اليوم بأعيادهم، لا تخرج عن إطار الود أو الإعجاب أو التقليد أو المداهنة أو المعايشة ونحوها، بل لو نظر العاقل إلى حال المستميتين المتهافتين على النصارى، وجد أن المشكلة لا تقتصر على رأس السنة فحسب، بل هؤلاء مفتونين بالنصارى طوال الدهر!، عاكفين على ملاطفتهم ومخالطتهم ومشابهتهم في أفعالهم وعاداتهم وتقاليدهم، بل في حكمهم في "ديمقراطيتهم" في كل شيء، حتى لو دخلوا جحر ضب دخلوه معهم، ولذلك فالمشكلة عندهم ليست في رأس السنة، بل رأس الأمر الإسلام، وأصله وركنه الشديد الحب والبغض في الله، حب الإيمان وكراهية الكفر، ولذلك كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان).

كل هذه الزوايا المنهجية العقدية يستشفها المسلم من دائرة الجدال السنوية حول حكم تهنئة النصارى المشركين بأعيادهم الشركية، فالقضية أخطر وأعمق بكثير مما يحاول أن يصوّره فقهاء هذا الزمان.

وإن نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان مفعِّلا خيار السيف، معطِّلا خيار الجزية؛ هو رد إلهي عقدي حاسم لهذا الجدل المثار في زمن اختلال موازين الولاء والبراء، وغربة التوحيد في زمن التفلت والتفريط.

ولن ينصلح حال الأمة حتى يستوي عندها حكم اليهود بالنصارى، وحكم الحانوكاه بالكريسماس! وحكم المتولي "المطبّع" مع النصارى بحكم المتولي "المطبّع" مع اليهود، وحتى تحتفي الأمة بالمنغمس في صفوف النصارى كالمنغمس في صفوف اليهود، فالتوحيد لا يتجزأ، ومن لم تغنه الآيات والنذر، سيغنيه سيف عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله.



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 475
الخميس 25 جمادى الآخرة 1446هـ
...المزيد

(عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ) يحتفل النصارى الكافرون كلّ عام بما يزعمونه "ميلاد ...

(عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ)


يحتفل النصارى الكافرون كلّ عام بما يزعمونه "ميلاد الرب المسيح!"، ويملؤون الدنيا ضجيجا وفجورا وعهرا ومجونا بزعمهم ذلك، وهنا نتساءل: هل يُولد الإله؟ وهل يُصلب ويُقتل؟ وهل بالفجور وطقوس الشياطين يُشاد ويُحتفى بالإله المفترى؟! وإن تعجب فهناك الأعجب؛ أن يشاركهم ويهنئهم في عيدهم الشركي مَن ينسب نفسه إلى الإسلام، بل ويزعم أن ذلك من هدي الإسلام!

إن النصارى مضطربون في عقيدتهم أيّما اضطراب فهم لم يستقروا على إله واحد، بل يؤلّهون ثلاثة آلهة، وهو اضطرابٌ ظاهرٌ توقن به نفوسهم وتنكره ألسنتهم، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171]، واضطراب آخر في حقيقة نبي الله عيسى -عليه السلام- بين قائل "هو الله"، وقائل "هو ابن الله!"، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

والحق في عيسى -عليه السلام- ما ذكره الإله الحق -سبحانه وتعالى- في كتابه العزيز؛ فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ} [النساء: 171]، فعيسى لم يكن إلا عبدا لله تعالى ورسولا أرسله الله تعالى، وما دعا قطّ إلا لعبادة الله وحده، فقال وهو في المهد صبيًا: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30]، وقال وهو كبيرا: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 51]، أوَعمي النصارى المشركون عن ذلك، أم أرادوا أن يرفعوا عيسى عمّا يزعمونه انتقاصا منه؟! فإنّ وصْفه -عليه السلام- بالعبودية ليس انتقاصًا من قدره، ولا هو -عليه السلام- يأنف ذلك، قال تعالى: {لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] بل هو يفتخر بعبوديته لله تعالى التي نطق بها ودعا إليها مِن صباه حتى رفعه الله إليه، بل إن الوصف بالعبودية لله وحده وصفُ تشريف وصفَ به نبيَّه محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1]، وليس فوق مقام العبودية لله مقام، كما إنه ليس هناك أحقر وأدنى من صرف العبودية لغيره سبحانه، ولذلك كان الشرك أعظم مفسدة والتوحيد أعظم مصلحة، رُفعت الأقلام وجفت الصحف.

وقد بيّن النبي عيسى -عليه السلام- أتمّ البيان أنّ مآل مَن أشرك بالله إلى النار فقال: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72].

ثم يوم القيامة ينكشف كذب النصارى تماما في موقف مهيب تشهده الخلائق كلها، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 116 - 117]، ثم يؤمر بهم إلى النار وهم ألوف وملايين ولا يبالي بهم ربك سبحانه وتعالى.

إن النصارى يحتفلون بما تكاد أن تنفطر له السماوات وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا، إنهم يحتفلون بالشرك ويقررون ألوهية عيسى -عليه السلام- وأنه ابن الله!، وقد أكذبهم الله فقال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3]. وبعد هذا، كيف يجرؤ كثير من السفهاء المنتسبين إلى الإسلام اليوم على مشاركة النصارى وتهنئتهم في أعيادهم الشركية!، وأشد جرما مِن هؤلاء هم دعاة السوء الذين أجازوا لهم ذلك! بل واستحبّه بعضُهم وأوجبه آخرون!، وقد اتفق علماء الإسلام على تحريم ذلك وذهب بعضهم إلى تكفير فاعله [الفتاوى لابن تيمية].

وقال ابن القيم رحمه الله: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه" [أحكام أهل الذمة].

إن النصارى اليوم في غاية الحرابة والعداء للإسلام وأهله، والحرب مشرعة على أشدّها بيننا وبينهم، وأبرز صور هذه الحرب "التحالف الصليبي" الذي يقوده النصارى، فهم قادة الحروب الصليبية في القديم والحديث.وإن الواجب على المسلم أن تكون معاملته للنصارى من جنس صنيعهم بالمسلمين، فكما مزقوا أشلاء المسلمين بغاراتهم وقذائفهم، فالواجب إذاً أن يجتهد المسلم في قلب أعياد النصارى إلى مآتم ومآسٍ جزاء وفاقا، فيقاتلهم بكل وسيلة ممكنة في الأعياد وغيرها وإنْ كان في الأعياد أنكى بهم وأفجع لقلوبهم، وأيسر في الوصول إليهم، وكفى بشركهم وادعائهم ألوهية عيسى، محرِّضا وموجبًا لقتالهم فكيف وقد زادوا على ذلك محاربتهم للإسلام وأهله؟!

إن العلاقة بين المسلمين والنصارى علاقة حرب وعداء حتى يعصم الدمَ إسلامٌ أو أمان، وما سوى ذلك فحروب يتلوها حروب حتى ينزل عيسى في آخر الزمان حكما عدلا حاكما بشريعة الإسلام، شريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي اجتمع على تعطيلها أكبر حلف صليبي شهده العالم، نعم سينزل عيسى -عليه السلام- ويكسر الصليب الذي يزعمون أنه قُتل وصُلب عليه، والله تعالى يقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]، وسيرفع الجزية ولن يقبل حينها من النصارى إلا الإسلام أو القتل، وسيقتل الخنزير الذي شابهوه خسة ودناءة.

وذا وعد حق أقسم به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) [صحيح البخاري] وفي رواية: (ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام) [أبو داود].

وذي دعوة الدولة الإسلامية التي ما تهاونت فيها ولا داهنت، ولاقى لأجلها قادتها النجباء وجنودها الأوفياء ما لاقوا، وهي دعوة التوحيد التي قامت بها السموات والأرض، وهي سبيل جميع الأنبياء وطريقهم "الصراط المستقيم"، وهو صراط الله مِن لدن آدم -عليه السلام- إلى محمد صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا؛ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، لا يهودية ولا نصرانية، لا قومية ولا وطنية، بل ملة إبراهيمية حنفيّة، {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95].

وإن على المسلمين أن يستعدوا للملاحم العظام التي تسبق نزول عيسى -عليه السلام-، وأن يتهيئوا لها ولا يتم ذلك إلا بمواصلة الإعداد والجهاد في سبيل الله تعالى والاعتصام بالكتاب والسنة؛ منهاج النبوة الذي حملته دولة الإسلام، فبه وحسب ينتصر المسلمون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 319
الخميس 26 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

أعياد النصارى إن النصارى اليوم في غاية الحرابة والعداء للإسلام وأهله، والحرب مشرعة على ...

أعياد النصارى



إن النصارى اليوم في غاية الحرابة والعداء للإسلام وأهله، والحرب مشرعة على أشدّها بيننا وبينهم، وأبرز صور هذه الحرب "التحالف الصليبي" الذي يقوده النصارى، فهم قادة الحروب الصليبية في القديم والحديث.

وإن الواجب على المسلم أن تكون معاملته للنصارى من جنس صنيعهم بالمسلمين، فكما مزقوا أشلاء المسلمين بغاراتهم وقذائفهم، فالواجب إذاً أن يجتهد المسلم في قلب أعياد النصارى إلى مآتم ومآسٍ جزاء وفاقا، فيقاتلهم بكل وسيلة ممكنة في الأعياد وغيرها وإنْ كان في الأعياد أنكى بهم وأفجع لقلوبهم، وأيسر في الوصول إليهم، وكفى بشركهم وادعائهم ألوهية عيسى، محرِّضا وموجبًا لقتالهم فكيف وقد زادوا على ذلك محاربتهم للإسلام وأهله؟!


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد 319
"عيسى ابن مريم رسول الله"

#دعوة_وجهاد
...المزيد

العلاقة بين الطواغيت والعلماء القاعدين • وعلماء الحق والصدق والجهاد قليل جدا، أما علماء السوء ...

العلاقة بين الطواغيت والعلماء القاعدين

• وعلماء الحق والصدق والجهاد قليل جدا، أما علماء السوء فما أكثرهم -لا كثّرهم الله- فعلماء الآخرة غرباء بين علماء الدنيا كما ذكر ابن رجب - رحمه الله - من أنواع الغربة أن "غربة علماء الآخرة بين علماء الدنيا الذين سُلبوا الخشية والإشفاق" اهـ.

أخي المسلم من المعلوم أن كل من ينتسب للعلم لابدّ أن يقع في الزلل والهلاك إنْ هو آثر الدنيا، يقول ابن القيم رحمه الله: "كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق، في فتواه وحكمه، في خبره وإلزامه، لأن أحكام الرب - سبحانه - كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرئاسة والذين يتّبعون الشهوات، فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا، فإذا كان العالم والحاكم محبا للرئاسة، متبعا للشهوات لم يتم له ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق" اهـ.

هذا أخي المسلم يفسر لك لمَ يبيع هؤلاء دينهم ويفتون بحرب الخلافة وبدعم الصحوات وغيرها، ذلك أن أغراض أهل الجاه والملك من الحكام ضد الخلافة التي تريد إقامة الدين وهم يريدون حربه، وتريد الجهاد وهم يريدون الشهوات، فيأتي دور علماء السوء من القاعدين وتأتي الفتاوى والبرامج والرسائل وغيرها لحرب الخلافة.

أخي المسلم إن كثيرا من علماء السوء من القاعدين الذين يحاربون دولة الخلافة نصرها الله، يعلمون أنها على الحق، وأنها دولة الإسلام، ولكنهم لا يريدون المشقة والتعب وعداوة الطواغيت وغيرهم، وهذا يحصل في كل زمان ومكان، حيث يقوم كل صادق بدعوة للدين والحق والجهاد، نعم أخي المسلم حين قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - بالدعوة للتوحيد وحرب الشرك وافقه من يسمّون العلماء، ولكن حين بدأ رحمه الله الجهاد والقتال وتكفير الطواغيت رفضوا ذلك لمشقة ذلك عليهم وعلى دنياهم يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "صدﱠقني مَن يدّعي أنه من العلماء في جميع البلدان في التوحيد ونفي الشرك، وردوا علي التكفير والقتال" اهـ.

وهذا ما نراه الآن، فكم من محسوب على العلم من القاعدين كان يقرر أحكام الجهاد والجزية وحرب المرتدين ويبشر بالخلافة وأنها قادمة، وحين قامت الخلافة وأعلنت التوحيد وهدمت الشرك وجاهدت الكفار وأهل الردّة وهدمت الحدود الطاغوتية، رفض هؤلاء ذلك، لأنهم يريدون الراحة والدعة والعيش في القصور والمزارع والجاه والسمعة، هذه هي العلة الكبرى التي جعلت الكثير منهم يحارب دولة الخلافة المجاهدة.

أخي المسلم لا تعجب من ذلك فإن في من ينتسب للعلم والعلماء من يقدّم الكفر على الإيمان، ويفضل الطاغوت على الشرع، وذلك لأجل الدنيا والعياذ بالله مع معرفته بأن ذلك هو الهلاك المبين في الآخرة، يقول شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: "في من ينتسب إلى العلم من يختار الكفر على الإيمان مع علمه أن من اختاره لا حظ له في الآخرة" اهـ.

أخي الموحد لتعلم أن العالم إذا ترك ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله فهو مرتد كافر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة" اهـ.

وختاما أخي المسلم في دولة الإسلام، فلتحمد الله على هذه النعمة العظيمة الكبيرة أن تعيش في دولة إسلامية تحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتهدم الشرك وتنشر التوحيد، فهي نعمة عظيمة وكبيرة، نسأل أن يرزقنا شكرها، ويستعملنا في مرضاته، والحمد لله رب العالمين.


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 12
السنة السابعة - الثلاثاء 24 ربيع الأول 1437 هـ

مقال: العلاقة بين الطواغيت والعلماء القاعدين
...المزيد

تعلموا أمر دينكم • صفة الكفر بالطاغوت تكون بـ: ➊ - اعتقاد بطلانها. ➋ - تركها والتبرؤ منها. ➌ ...

تعلموا أمر دينكم

• صفة الكفر بالطاغوت تكون بـ:
➊ - اعتقاد بطلانها.
➋ - تركها والتبرؤ منها.
➌ - بغضها وعداوتها.
➍ - تكفير أهلها.
➎ - معاداتهم في الله.

والدليل قوله تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [الممتحنة: ٤]

إذاً فمن لم يحقق هذه الصفة لم يكن مؤمناً بالله كافرا بالطاغوت، بل العكس، لأن الإيمان بالطاغوت والإيمان بالله ضدان لا يجتمعان في قلب إنسان أبدا، إذ لا يمكن أن يوصف الشخص بأنه مشرك وموحد في نفس الوقت، بل لا بد له من أحد الوصفين لا محالة، إذ لا ثالث لهما، لقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ } وقوله: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا }

فهذا الطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به ونجتنبه، وهذه عبادته التي نهينا عنها وأمرنا بتركها وتكفير أهلها ومعاداتهم.

- كتاب تعلموا أمر دينكم صادر عن ديوان الدعوة والمساجد / سلسلة (4)
...المزيد

أليس هذا حال العساكر؟ • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من حالف شخصاً على أن يوالي من ...

أليس هذا حال العساكر؟

• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من حالف شخصاً على أن يوالي من والاه، ويُعادي من عاداه، كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، بل هؤلاء من عساكر الشيطان" أنتهى.

• أليس هذا هو حالكم؟ حيث توالون وتعادون في أشخاص الطواغيت الحكام، توالون من والوهم وتعادون من عادوهم، بغض النظر عن شرعية تلك الموالاة أو المعاداة، تنتهك حرمات الأمة ويُعتدى على مقدساتها، ويُقتل الأطفال والنساء، ويشتم الله ورسوله، فكل هذا وغيره لا يستدعي موقفاً منكم ولا من حكامكم!

الشيخ فارس آل شويل/نصيحة إلى العساكر

اعرف حقيقة الجيوش
...المزيد

اغتنم فراغك قبل شُغلِك 1/2 الفراغ نعمة غُبن فيها كثير من أصحابها، الذين كفاهم الله مُؤنة العيش ...

اغتنم فراغك قبل شُغلِك

1/2
الفراغ نعمة غُبن فيها كثير من أصحابها، الذين كفاهم الله مُؤنة العيش والسعي وراء الرزق، فلم يستفيدوا منه ولم يغتنموه، بل أضاعوه في لهو ولعب، حتى جاءهم الموت وهم ساهون لاهون عن مُراد الله منهم، يتنعَّمون بفضله الذي سيُسألون عنه، وقال الله -تعالى- فيه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8].

نعم سيُسألون، لأن الله -تعالى- ما خلَق الخلْقَ ليتنعَّموا بالنعيم الزائل بل خلقهم ليعبدوه، وهو غني عنهم وعن عبادتهم، وهو بفضله ورحمته أعدَّ للطائعين منهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعوِّضهم فيها بالنعيم الدائم عن إشغال أوقاتهم بطاعته، ونعم العِوض جنةُ المأوى.

وأما من مال عن الآخرة إلى دنياه الفانية وعيشِه الزائل، فحاله بعد الموت كما قال الله سبحانه: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99 - 100]، فهل يعتبر المرء فيشغل نفسه بطاعة الله ومرضاته ما دامت روحه بين جنبيه؟ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة) [رواه الشيخان]. تأمَّل قوله -صلى الله عليه وسلم- ونفيَه أن يكون نعيم الدنيا عيشاً حقيقياً يستحق عناء الطالبين له، لأن العيش الحقيقي هو عيش الآخرة في جنة الله الكريم.

• يا ليتني قدمت لحياتي:

لقد أضاع كثير من الناس الميزان بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة فلم يوفِّقوا بينهما، فمبلغ همِّ كثير منهم جمعُ الثروات والإسراف في المباحات، فتراه في غنىً وكفاية من العيش ولكنه فقير من الأعمال للفوز بجنة الله ورضوانه، فأنعم الله عليه بنعمة الفراغ ولكنه أشغل فراغه بدنياه، وهو ليس محتاجاً إليها فهذا هو المغبون حقاً، كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) [رواه البخاري].

فيا صاحب الغِنى والفراغ، اللاهي بدنياه إنك من المحرومين، لأنك لم تُقدِّر قيمة الأوقات الفائتة من عمرك كما عرفها أصحاب الهمم العالية الذين لا يجدون فراغاً لإتمام أعمالهم وجهادهم، وإنك يا صاحب الفراغ صائر إلى أمر عظيم قد غاب عنك وغفلت عنه، اللحظة التي تقول فيها: {يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24]، قال الإمام الطبري، رحمه الله: "يقول -تعالى ذكره- مخبراً عن تلهُّف ابن آدم يوم القيامة، وتندّمه على تفريطه في الصَّالِحات من الأعمال في الدنيا التي تورثه بقاء الأبد في نعيم لا انقطاع له، يا ليتني قدَّمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي هذه، التي لا موت بعدها، ما ينجيني من غضب الله، ويوجب لي رضوانه" [جامع البيان].

نعم هناك من الناس من أنعم الله عليه فكفاه مؤنة العيش ولكنه سادرٌ في غيِّه لاهٍ عن أوامر ربه، لم يشغل فراغه في معرفة دينه وماذا أراد الله منه، بل أشغله في المحرمات، أو كثرة المباحات، فأعدَّ أيها التائه اللاهي أجوبة كثيرة لأسئلة كثيرة، فإنك -والله- ما خُلقت عبثاً ولن تترك سدى وستسأل عن فراغك بماذا قضيته.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

اغتنم فراغك قبل شُغلِك 2/2 • كلما ذهب منك يوم ذهب بعضك: وهناك من كبر سنه وانحنى ظهره ...

اغتنم فراغك قبل شُغلِك

2/2

• كلما ذهب منك يوم ذهب بعضك:

وهناك من كبر سنه وانحنى ظهره ولديه من يعينه على أمر دنياه من مال أو ولد، وقد أنعم الله عليه مع تلك النعم بالفراغ، لكنه لا يعرف كيف يقضيه، فإلى من هذه حاله تفكَّر ملياً في تلك السنين التي قضيتها ولم يكن لك فيها حظ من الآخرة، تفكر كم أنت قريب من لقاء ربك، أما آن الأوان لك لتحرِّض أبناءك وأحفادك على البذل لدين الله ونصرته، أما آن الأوان لتقضي فراغك خالياً بالله بالدعاء لنفسك وللمسلمين المستضعفين ولعباد الله المجاهدين، أما آن أوان الانقطاع إلى الله والتقرب إليه بكل أنواع القُرب.

فإن كثيراً من الناس بلغوا من الكبر عتياً ثم تراهم يعيشون بعقل التائهين من الشباب الذين لا يفكرون بالموت وساعة السؤال والحساب، وهذا -والله- هو طول الأمل والهلكة بعينها، فأين أنت من قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]؟ قال الإمام البغوي: "وجاءت سكرةُ الموت: غمرتُه وشدتُه التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، بالحق: أي بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبيَّنه الإنسان ويراه بالعيان. وقيل: بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة. ويقال: لمن جاءته سكرة الموت، ذلك ما كنت منه تحيد: تميل، قال الحسن: تهرب. قال ابن عباس: تكره" [معالم التنزيل في تفسير القرآن].

فاغتنم فراغك قبل أن تصير في قبرك، واغتنم صباحك فلربما لا تدرك مساءك، عن الحسن قال: "ابنَ آدم، إنما أنت أيام وكلما ذهب يوم ذهب بعضك" [الزهد لأحمد بن حنبل]، واقتد بأولئك الشيب الذين قدموا أشلاءهم في سبيل الله وسابقوا الشباب على الجنة لا على الدنيا.

• اغتنم ساعات فراغك:

إن هنالك صِنفاً من الأبرار كفاه الله -تعالى- مؤنة العيش فكان رزقه تحت ظل رمحه، فهو يستعمله في تنغيص عيش الكافرين ونصرة دين رب العالمين، ومن هؤلاء الموفَّقين أيضا من اكتفى في رباطه بأداء نوبة الحراسة في ساعات قليلة ثم يعود إلى فراغه الطويل، وتلك الأوقات هي نعمة للمجاهد قد لا يدركها، فلو استغلها بذكر الله وقراءة القرآن والدعاء أو المحافظة على النوافل أو ساعة تذكرة لإخوانه فيحرِّض بعضهم بعضاً، لكان في ذلك منفعة عظيمة وثبات عند لقاء الكفار ورفعة في الدرجات وزيادة في الحسنات.

فاعلم أيها المجاهد أن فراغك نعمة من الله فاغتنمها لئلا تكون من المغبونين، واجعلها ذخراً لك عند الله تعالى، فإن الله أعد للمجاهدين في الجنة مئة درجة، فدرجة المجاهد الذي يذكر الله -تعالى- ويتطوع في الصلاة ويقرأ القرآن ويجتهد في الحراسة والرباط والقتال ليست كدرجة المجاهد المرابط الذي لا يذكر الله إلا قليلاً، ويؤدي نوبة حراسته ثم يعود إلى فراغه الطويل.

فعلى المجاهدين المرابطين الصادقين أن يجتهدوا في فراغهم لنيل أعلى الدرجات ويعلموا أن ما بين الدرجة والدرجة في الجنة كما بين السماء والأرض، وأن نعيم المنازل العلى أفضل وأكمل مما دونها، فلا يزهد المرابط في التزوُّد من العمل الصالح مع عظيم عمله الذي أخبر عنه النبي، صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتَّان) [رواه مسلم]، فأي فضل عظيم للمرابط الذي يُقتل فيجرى له عمله الذي شغل فراغه به؟ فعليك بقراءة القرآن وقيام الليل وغير ذلك من العبادات، واحرص على طلب العلم والتفقه في الدين وحفظ كتاب الله جل وعلا، فالفراغ الذي تعيشه ما بين نوبات الحراسة يغبطك عليه كثير من الصالحين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل 1/5 إيمانٌ خالطت بشاشته القلوب: على بُعد أمتار من خط رباطنا ...

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل

1/5

إيمانٌ خالطت بشاشته القلوب:

على بُعد أمتار من خط رباطنا كان العدو، لا يفصل بيننا وبينه إلا شارع أحدثت فيه طائرات (B52) الأمريكية المنطلقة من قواعد جزيرة العرب حفرا هائلة، كتلك التي انتشرت في مختلف أحياء الموصل القديمة، نتيجة تطبيق الصليبيين وأذنابهم استراتيجية ساذجة لمنع وصول الاستشهاديين إلى تجمعات المرتدين ومقراتهم، فانقلب تدبيرهم تدميرا لهم، فأخرجت تلك الحفر آلياتهم عن الخدمة، ومنعتها من الحركة، ولم يبق أمامهم إلا أن تقوم طائراتهم مقام آلياتهم لتقدم التغطية النارية لجنودهم، وتفتح أمامهم الطريق، فتحرق الأخضر واليابس، وتحيل المناطق الواسعة يباباً حتى يتقدم القطيع المثقل بالجراح بضعة أمتار.

عوداً إلى خط النار إذ يتوزع المجاهدون على مفارز وكمائن على طوله بين ركام المباني المهدَّمة والخنادق، يتخلل كل مفرزة قناصون ماهرون يتربصون بالروافض الأنجاس، يتناوبون على القنص الليلي والنهاري.

عمل شاق ومحفوف بالمخاطر، فهو يتطلب التركيز الدائم، والعين الساهرة والقوة البدنية.

اقتربتُ من أحدهم، وقد شدتني فيه وضاءة وجهه، وجبيرة يده المكسورة، حاولت أن أفتح حديثاً معه، لكن خشيت أن تفوته فريسته أثناء حديثي، فجلست بجانبه أرصد تحركات العدو.

سادت حالة من الصمت شقت جدارها أصوات انفجارات متعددة، كانت إحداها نتيجة قنبلة فوسفور أبيض انفجرت على مقربة منّا، فانبعث دخان كريه الرائحة، فسارعت إلى قطعة قماش كنت قد هيئتها للحوادث المماثلة كي أستنشق عبرها.

ولكن الله -تعالى- أبعد الدخان عنا، واتجه صوب المرتدين ولله الحمد، غير أن غبار المبنى المدمَّر القريب أعدم الرؤية بالمكان، فلما انقشع الغبار جاء إليّ هذا القنّاص والبسمة تعلو محيَّاه، وهو يهمّ باتخاذ موقع بديل، قائلا: بإذن الله، هذا الغبار لن يجتمع بأنفي وأنفك وأنوف من يستنشقه من المجاهدين، مع دخان نار جهنم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمعُ غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً) [رواه البخاري في الأدب المفرد وغيره]، ثم أردف قائلاً: تعرف أن الدخان أكثر رائحة أكرهها في حياتي، غير أني أستعذبها الآن!

ذكرني بقول بلال -رضي الله عنه- لما سُئل كيف صبرت يا بلال؟ (أي على عذاب المشركين لك برمضاء مكة) قال: مزجتُ حلاوة الإيمان بمرارة العذاب، فطغتْ حلاوة الإيمان على مرارة العذاب، فصبرت!

ذكرتني هذه الحادثة بقصة أخرى عن أثر حلاوة الإيمان على المؤمن، فيستطيب العسير الشاق في سبيل دينه.

شاب ينحدر من إحدى قرى الموصل، نحيل به عرجة نتيجة إصابة عصبية في رجله في إحدى المعارك، وصل للصف الخامس العلمي وكان من المتفوقين في دراسته، كان والده -تقبله الله- يحلم أن يكون ابنه طبيباً.

ولما فُتحت الموصل، التحق والده بالمجاهدين، ثم تبعه هو وأعمامه، حتى التحق بنو جده كلهم، وقد قُتلوا كلهم في سبيل الله، نحسبهم والله حسيبهم، آخرهم والده وعمه في يوم واحد في الزنجيلي.

سألته: هل تؤلمك إصابتك؟ قال: عندما أضغط على شيء ناتئ أتألم.

كنت أشفق عليه لحالته، غير أنه لما يحمى الوطيس تجده أول المتقدمين، مهرولاً وكأنه صحيح معافى. ما شاء الله... لا يعرف السكون، يستطلع أماكن العدو، ويبحث عن نقاط مناسبة لاصطياد فرائسه.

ففي ظل هذه المعركة القاسية، صار إيجاد المكمن المناسب للمجاهد غاية عسيرة، إذ جرت العادة أن يهاجَم أيُّ مكان يُرمى منه العدو برصاصة بصاروخ طائرة، في استنزاف مريع للترسانة العسكرية الصليبية والرافضية، فغدت أماكن الرباط في خط النار أكواما من الحجارة، أحالها المجاهدون بثباتهم وصلابة دفاعهم قلاعا حصينة، بفضل الله تعالى.

عاد أخونا من مهمة بحثه عن مكمن لنفسه، وقال: أثناء استطلاعي وجدت قطعة حلوى وبعض زجاجات المياه المعدنية. فنبهته أن مدة صلاحيتها انتهت منذ سنوات، فالمكان كان مهجورا، قال: على كل حال أكلت قطعة الحلوى وإن وجدت غيرها فسآكلها إن شاء الله، وتركني مبتسماً، وكأنه قد تناول لحم طير، وليس قطعة حلوى منتهية الصلاحية.

نعم إنها حلاوة الإيمان التي ذكرها أبو سفيان -رضي الله عنه- على لسان هرقل لما سأله عن حال أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- فقال له: "وسألتك أيرتدُّ أحدٌ سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرتَ أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل 2/5 • أفضل الحسنيين: وفي نفس المنطقة كنت قد التقيت بأخ قناص من ...

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل

2/5

• أفضل الحسنيين:

وفي نفس المنطقة كنت قد التقيت بأخ قناص من جزر الكاريبي، سمع اتصالي بأحد الإخوة العجم بالإنجليزية فاقترب مني يحاول التعرف على هذا الصوت، ولما تحادثنا قال: أتحتاج قناصا ماهرا في هذا المكان؟ قلت له: أرسله، فأرسل لي شقيقه وربيب شقيقه أبا ذر البوسني، وهو مجاهد في ربيعه الخامس عشر من البوسنة والهرسك.

فتجاذبنا وشقيقه أطراف الحديث، فكنت أسأله عن سبيل هدايته وكيف وصل للدولة الإسلامية، فأجاب: قرأت في القرآن عن الجهاد وتدبرت آياته كقول الله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41]، فبدأت أبحث عن سبيلٍ للجهاد، فلما أُعلنت الدولة الإسلامية، سارعت وشقيقي إليها، فهيأ الله لنا السبل إليها وله الحمد والفضل، فقلت له مازحا: نرجع لجزر الكاريبي فاتحين -بإذن الله- ونأكل من صيدك، ومن جوزها وموزها، فأجاب: كلا، أنا لا أريد سوى الجنة، فابتسمت له، وقد ذكرني كلامه بخير الحسنيين، في حين كنت أنا أستعجل الأخرى.

• أسود الدواوين في ميادين القتال:

على الجهاز اللاسلكي، نادى النذير أنَّ ميليشيات الرد السريع تسللت لمبنىً تعرض لقصف عنيف، أجاب على الفور أخ يكنى بأبي مصعب ذات الصواري، يعمل ناقلاً للمؤن إلى الثغور: جهِّزوا لي أربعة إخوة وسأقتحم معهم -بإذن الله- وندوس على رقاب المرتدين؛ فهؤلاء الرافضة نساء ليسوا أهلاً للقتال والنزال.

تعجبتُ من همّة وشجاعة هذا الناقل، فرد عليه فارس آخر يقال له أبو يعقوب: صبراً أخي حتى يصل الإخوة عندي وآتيك بهم.

أحس أبو مصعب من أبي يعقوب إحجاماً فنهره، فرد عليه: على رِسلك يا أخي والله لأتقدمنّ صفّهم، وسأقتحم بهم لكني أنتظر قدومهم قرب الهدف، فما هي إلا دقائق حتى اجتمع الفُرسان، وانطلقوا نحو أعدائهم مكبِّرين، قائلين: هيا يا إخوة إنها لإحدى الحسنيين!

فمضى الفوارس يمشِّطون المبنى الذي تقبع على مقربة منه دبابة أبرامز وعجلة همر، بعد أن استغرق العدو أياماً من المعارك محاولاً فتح طريق إلى المبنى بجرافاته بسبب تدميره للشوارع.

عاد أبو مصعب برضوض بسيطة إثر قصف، وعاد معه باقي الإخوة وقد أكملوا مهمتهم، إلا ذاك الهمام المكنى بأبي يعقوب الذي سمعنا بشرى رفيقه على جهاز المناداة أن أبا يعقوب قد ارتاح، أي والله إنه ارتاح من تعب الدنيا ونكدها، ونحسبه الآن في جوف طير تسرح من الجنة حيث تشاء!

لا عجب أن يقدم هؤلاء ويتسابقوا إلى الموت في سبيل الله ولتنغيص عيش الكافرين، إذا كان قادتهم أمامهم في الصف، فأميرهم بشيبته كلما سمع بهيعةٍ طار إليها يبتغي الموت مظانه وكان يلح على تنفيذ عملية استشهادية غير أن أمراءه منعوه مرارا وتكرارا. تراه يجوب ثغور قاطع عمله، يستطلع، ويرصد، وينشر المفارز، ويقتحم بنفسه، فما بالك بجندي يرى أميره بهذه الهمة والتضحية؟ يحتقر نفسه ويرغمها على اتباعه والاقتداء بصنيعه.

كان ابن المبارك يقول: "كنت إذا نظرت إلى وجه الفضيل بن عياض احتقرت نفسي."

لعلك تسألني من هؤلاء، ولأي جيش ينتمون؟ وبأي طريقة دُرِّبوا؟

أجيبك، ببساطة إنهم أسود ديوان الصحة الذين حطَّموا كل أبجديات العلوم العسكرية. رجالٌ أفذاذٌ لم يألوا جهداً في مداواة جرحى المجاهدين، ورعية أمير المؤمنين، ولما حل بدارهم العدو كان هذا جانباً من صنيعهم، الذي لن أوفيهم وإن كتبت فيهم مجلداً، تجد أحدهم يصاب عدة إصابات متتالية فيدوس على جراحه ويرجع يدافع عن ثغره ويداوي جرحاه، كالدكتور عمر كسار.

إذ أُصيب بكسر في ساقه في جزيرة الرمادي، وجاء للموصل قبل النازلة للعلاج، فأجرى عدة عمليات لم يمثل فيها للشفاء، فنصحه الإخوة بالخروج من المدينة قبل حصارها، فأصر هو وزوجه الطبيبة شقيقة الشيخ حذيفة البطاوي على البقاء، وأبوا الخروج حتى ينالا إحدى الحسنين، وأبلوا بلاءً حسناً في مداواة الجرحى، ولما وصل العدو إلى مقربة من المجمع الطبي وحدثت الملاحم على أبوابه أبوا الخروج كما أبى بقية الكادر الطبي، حتى نالا الشهادة -نحسبهما والله حسيبهما- بالقصف الشديد الذي أحال المجمع الطبي إلى تراب، قومٌ كرامٌ بواسلٌ طلاب شهادة في سبيل الله لا شهادات و"بوردات".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً